بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
أولاً: تتجلّى أحياناً أقسى صور المفارقات الفكرية والأخلاقية حين يرتدي العالم المعاصر ثوب الطهارة المزيفة، فيوزع صكوك الإدانة وشهادات الاستنكار بحسب الأهواء والمصالح السياسية، لا بحسب معايير الحق والعدل الإنساني. إن ما يشهده الواقع العربي والإسلامي والدولي اليوم من ازدواجية صارخة وفجّة في التعامل مع المظلومية اليمنية يكشف بوضوح عن أزمة ضمير إنساني وفكري عميق يهدد ما تبقى من منظومة القيم الأخلاقية للبشرية.
فحين تشن المقاتلات الغارات تلو الغارات على مدى سنوات طوال، مدمرةً الحجر والشجر والبشر، ومحيلةً البنى التحتية والمطارات والموانئ الحيوية إلى ركام، يلوذ العالم بصمت القبور، وكأن الدماء اليمانية ما هي إلا ماء مهين لا يستحق التفاتة أو شجباً أو تحريك جفن. بل ويصل الأمر بالبعض إلى التساؤل بابتذال سياسي مريب متى ما تحرك الضحية للدفاع عن نفسه وردّ الصاع صاعين: «كيف تجرأتم؟!» وكأن قدر الضحية أن يظل مستباحاً إلى الأبد.
إن منطق "العين بالعين، والمطار بالمطار، والبادئ أظلم" ليس مجرد قاعدة تشريعية وضعية، بل هو جوهر العدالة الإلهية والكونية التي تستقيم بها الحياة حين تختل عدالة الأرض وتخضع للتبعية والاستبداد. وإن المفاضلة البائسة بين "مطار" و"مطار"، والتغاضي عن تجويع وحصار شعب بأكمله من أجل مجاملة الأنظمة واسترضاء القوى الكبرى، هي التي وضعت الأمة في ذيل قائمة الأمم، وأفرغت مفاهيم السيادة والكرامة من مضمونها.
إن الشعوب الحية لا تنهض إلا بالوعي والردع؛ وما لم تستعد الأمة بوصلتها الأخلاقية وتتحرر من ارتهانها للزيف الإعلامي والسياسي، ستظل تبكي على أطلال كرامتها المهدرة. فالعدالة لا تتجزأ، وحق الدفاع عن النفس مشروع بكل الشرائع السماوية والوضعية، ولن يصح إلا الصحيح في نهاية المطاف.
ثانياً: القصيدة (على بحر البسيط)
أَضِعْنا الحَقَّ أَمْ ضاعَ الضَّميرُ؟ ... وَفي ميزانِكُمْ شَهَقَ السَّعيرُ؟!
تَجيرُونَ العِقابَ على ضَحايا ... تُطاردُها مَدافعُكُمْ جُهورُ!
فَميزانُ العَدالَةِ عندَ قَومِي ... لَهُ كِفَّانِ.. بَينَهُما نُفورُ:
مَطارُ الظُّلمِ تَعظيمٌ وَفَخْرٌ ... وَمَطارُ اليَمانيِ مَنعوتٌ كَسيرُ!
عَشر السِّنينَ والأحْدادُ تَتْرَى ... وَأطنانُ الحَديدِ بِها تَفورُ
تُدَمِّرُ كُلَّ مَصلَحَةٍ وَرَوحٍ ... وَيَحضُرُ صَمْتُكُمْ.. نِعْمَ الحُضورُ!
فَلَمْ نَسْمَعْ لَكُمْ شَجْباً بِحَرْفٍ ... وَلَمْ يَهتُزَّ في المَلإِ الضَّميرُ!
فَلَمَّا رَدَّ مَظلومٌ بِسَهْمٍ ... تَدَاعَى العالَمُ النَّهِمُ الشَّريرُ!
تَبَاكَوْا.. واسْتُفِزَّتْ كُلُّ شَرْقٍ ... وَثَارَ الغَرْبُ، وانْعَقَ النَّذيرُ!
فَيَا عَجباً لِمَنْ باعوا الهُدَى طوعاً ... وَلِلْطُّغيانِ صَارُوا حَيثُ سيروا!
أَتَجْرِيمٌ على الـمَظْلُومِ يُلْقَى ... وَبَرْكانُ العُدْوانِ الكبرى تُسْتَرُ؟!
سَتَبْقَى صارخاتُ الحَقِّ تُدَوِي ... وَعَدْلُ اللهِ ما فيهِ نَكيرُ!
ثالثاً: الخلاصة
- يتعاطى العالم بضميرٍ معطوب وازدواجية صارخة تجاه المظلومية اليمنية؛ فيلزم الصمت والتغاضي أمام سنوات العدوان والحصار وتدمير البنى التحتية والمطارات، بينما يستنكر ويرتعد حين يمارس الضحية حقه المشروع في الدفاع عن نفسه وردع المعتدي بمبدأ "العين بالعين والبادئ أظلم". تؤكد السطور وأبيات القصيدة أن كرامة الشعوب لا تُصان بالخنوع، وأن عدالة الله والردع المشروع هما القول الفصل بوجه زيف العالم وازدواجية معاييره.


























