بقلم / عادل حويس
في لحظة وطنية شديدة الحساسية يمر بها اليمن وهو يرزح تحت أعباء الصراع والانقسام يطفو على السطح خطاب مقلق يتغذى على الكراهية والتشفي ويعيد إنتاج الألم بدل أن يسهم في تضميد الجراح. هذا الخطاب الذي بات يتردد على ألسنة بعض الناشطين ووسائل التواصل لا يعكس وعيا بحجم المأساة ولا إدراكا لثقل التاريخ بقدر ما يعكس حالة من الانفعال غير المسؤول تسهم – بقصد أو بدونه – في تعميق الشرخ الاجتماعي وزيادة منسوب الاحتقان في مجتمع أنهكته الحروب.
إن أخطر ما تواجهه الأوطان في لحظات الضعف ليس السلاح وحده بل الكلمة حين تتحول إلى أداة تحريض والتشفي حين يقدم باعتباره موقفا والتخوين حين يصبح بديلا عن الحوار. فاليمنيون اليوم في الشمال والجنوب في الشرق والغرب ما زالوا يدفعون ثمنا باهظا لصراعات متراكمة تعود جذورها إلى ما قبل قيام الوحدة حين كانت الأنظمة في شطري اليمن وجبهات المناطق الوسطى غارقة في دوامات اقتتال لم تخلف سوى الدماء والانقسامات.
وجاءت الوحدة اليمنية كحلم كبير غير أنها لم تنه المعاناة كما كان مأمولا إذ تحولت حرب صيف 1994 إلى منعطف أليم خلف جراحا عميقة ورواسب من المظلومية والاحتقان لا تزال آثارها حاضرة في الوعي الجمعي حتى اليوم. ثم توالت الأزمات مع أحداث ما سمي بالربيع العربي وسقوط الدولة وانهيار مؤسساتها لتفتح البلاد على مصراعيها أمام صراعات جديدة أكثر تعقيدا وتشابكا. ولم تتوقف فصول المعاناة عند حد بل امتدت إلى حضرموت والمهرة وشبوة وغيرها من المناطق لتتكرس حالة اللااستقرار ويتعمق الشعور بالفقد والخذلان.
في خضم هذا المشهد القاتم يصبح من غير المقبول أخلاقيا ووطنيا أن يتحول الألم إلى مادة للتشفي أو أن تستثمر المآسي لتصفية الحسابات أو تسجيل المواقف.
فالتشفي لا يبني وطنا والتحريض لا يصنع مستقبلا وخطاب الكراهية لا يورث إلا مزيدا من الدمار. إن الوطن مهما اشتدت عليه العواصف يظل البيت الكبير الذي يتسع للجميع باختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم. هو ليس ملكا لفئة دون أخرى ولا حكرا على منطقة أو جماعة بل مسؤولية مشتركة وأمانة في أعناق الجميع.
إن الحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى لغة عاقلة تغلب الحكمة على الانفعال وتقدم المصلحة الوطنية على الأهواء الضيقة. نحن بحاجة إلى خطاب يوحد ولا يفرق يداوي ولا يجرح يستحضر دروس الماضي ليصنع مستقبلا أفضل لا ليغرق في مستنقع الأحقاد. فالأوطان لا تبنى بالشماتة بل بالتسامح ولا تحفظ بالتحريض بل بالحوار والاعتراف المتبادل.
إن الحفاظ على هذا البيت الكبير مسؤولية جماعية تقع على عاتق كل يمني ويمنية في الداخل والخارج في مواقع التأثير كافة. مسؤولية تبدأ من الكلمة ومن الوعي بخطورتها ومن إدراك أن ما يكتب أو يقال اليوم قد يساهم في إنقاذ وطن أو في تعميق جراحه. فلنعمل معا على تجاوز إرث الماضي الأليم لا بإنكاره بل بتجاوزه بعقلانية وعدالة ولنتطلع نحو مستقبل يليق بتضحيات هذا الشعب وصبره الطويل.
لنغلب لغة الحوار على لغة الصراع ولنستبدل خطاب الكراهية بخطاب المحبة والتآخي ولنجعل من اختلافاتنا مصدر غنى لا سبب شقاق.
فاليمن يستحق منا أكثر من تبادل الاتهامات يستحق مشروعا وطنيا جامعا وإرادة صادقة تضع مصلحة الأجيال القادمة فوق كل اعتبار.
نسأل الله الرحيم أن يلهم الجميع الصواب وأن يؤلف بين القلوب وأن يحفظ اليمن وأهله من كل مكروه. فاليمن هو هوية الجميع ومستقبله مسؤولية مشتركة ورفقا بالوطن والمواطن ولنبن معا غدا يليق بتاريخ هذا الشعب الأبي وأبنائه الشرفاء.



























