بقلم/ محمود كامل الكومي
في مشهد يبدو أقرب إلى مفارقات التاريخ الساخرة، تتبدل زوايا الصراع الدولي على نحو يثير الدهشة والتأمل.
فبينما ظل الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي يتجه نحو تشديد الضغط على إيران، بل والتلويح بإسقاط نظامها، ودس العملاء،فى الداخل الإيراني ،وأشعال نار الفتنة لينتفض الشعب على النظام في ايران...فكانت الحرب التى أتت بنتيجة عكسية ..فخرجت ملايين الشعب لتأييد النظام بديلا عن الثورة عليه .
برزت في المقابل تظاهرات مليونية فى كل عواصم الولايات الأمريكية. تموج باضطراب داخلي أمريكي يتصاعد، وتحركات شعبية ترفع شعارات من قبيل “No Kings” – لا ملوك – في إشارة رمزية لرفض السلطة المطلقة أو النزعة الفردية الابستينية لترامب التى ميزت حكمه.
هذا التحول في السردية، سواء كان دقيقًا في كل تفاصيله أو مبالغًا فيه في بعض الطروحات الإعلامية، يعكس حقيقة أعمق:
أن الصراع لم يعد خارجيا خالصا، بل بات يمتد إلى الداخل الأمريكي نفسه، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية، والاستقطاب السياسي، وتآكل الثقة في المؤسسات. والبلطجة باختطاف رئيس فنزويلا وزوجته،والانصياع لنتنياهو بتوريط امريكا في الحرب على ايران.

طوال سنوات، كانت إيران تمثل أحد أبرز “(لأهداف )في الاستراتيجية الأمريكية، سواء عبر العقوبات أو الضغوط السياسية أو التلويح بالقوة.
غير أن ما نشهده من احتجاجات وتظاهرات داخل الولايات المتحدة، يشير إلى أن بوصلة الصراع قد بدأت تنحرف كليا من (تغيير النظام في الخارج) إلى (تغيير النظام من الداخل).
إن فكرة أن ملايين الأمريكيين قد يخرجون للاحتجاج، ليست جديدة في التاريخ الأمريكي، لكنها حين ترتبط بشعارات إسقاط القيادة نفسها، فإنها تعكس مستوى غير مسبوق من الغضب أو الاستقطاب، خاصة إذا اقترنت بمشاركة شخصيات عامة ، أو نجوم من هوليود ، الذين لطالما عبروا عن مواقف ناقدة لترامب.
المفارقة الأكثر إثارة، هي دخول أطراف خارجية – ولو على مستوى التصريحات – على خط هذا المشهد. فحين يصدر تعليق من رئيس البرلمان الإيراني (محمد باقر قاليباف) يرحب بهذه التظاهرات أو يربطها بتجربة بلاده، فإن ذلك يعكس انقلابًا في الأدوار: من دولة مستهدفة بالتغيير، إلى دولة تهزأ بخصمها ، وربما تصدر إليه التغيير .
مع ذلك، من الضروري التعامل مع هذه الروايات بحذر. فالأرقام الضخمة، والحديث عن “أكبر مظاهرات في التاريخ”، أو اتهامات جماعية مثل “التخابر مع إيران”، لعشرات الألاف من المتظاهرين ، قد تكون جزءًا من تضخيم إعلامي أو حرب سرديات، خاصة في عصر تتداخل فيه الحقيقة مع الدعاية.

لكن حتى مع التحفظ، يبقى المؤكد أن الولايات المتحدة تعيش حالة استقطاب حاد، وأن شخصية مثل ترامب تمثل محورًا لهذا الانقسام، بين مؤيديه الذين تدنت نسبتهم إلى أقل من 30%، ومعارضيه الذين يعتبرونه تهديدًا للنظام الديمقراطي وقد زادت نسبتهم الى70%.

إن ما نراه الآن – هو نموذج لما يمكن تسميته (أرتداد القوة): حين ينشغل رئيس دولة بمحاولة إعادة تشكيل أنظمة الآخرين، فيجد نفسه في مواجهة تظاهرات مليونية من شعبه تطالب بمحاكمته.
هل تحولت المعركة من “إسقاط النظام الإيراني” إلى “إسقاط ترامب”؟
ربما ليس بهذا التبسيط الحاد، لكن المؤكد أن خطوط الصراع لم تعد مستقيمة، وأن العالم يعيش مرحلة تتقاطع فيها الجبهات، حتى يصبح الداخل والخارج ساحتين لمعركة واحدة: معركة الشرعية والثقة والسلطة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: أن الشعوب، في أي مكان، حين تصل إلى لحظة الغليان، فإنها تعيد رسم المشهد كله... حتى لو بدا ذلك، في لحظته الأولى، وكأنه مجرد دراما غير متوقعة.
محمود كامل الكومي
كاتب..ومحامي .مصري

حول الموقع

سام برس