بقلم/ القاضي الدكتور حسن حسين ال
في سابقة خطيرة تعصف بما تبقى من أركان العدالة الدولية، وفي انتهاك صارخ للمواثيق التي توافقت عليها البشرية، أقدم الكنيست الإسرائيلي —بإيعاز من حكومة اليمين المتطرف— على تقديم مشروع قانون "إعدام الأسرى الفلسطينيين". إن هذا الإجراء ليس مجرد تشريع محلي عابر، بل هو *إعلان حرب رسمي على المنظومة القانونية الدولية*، واستهتار معلن بالذمة الأخلاقية للعالم أجمع.
أولاً: اغتيال اتفاقية جنيف وهدم المبادئ الآمرة
إن هذا القانون يضرب بعرض الحائط *اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949* المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب، والتي كفلت حماية الأسرى من كافة أشكال العنف أو التهديد أو القتل العمد. إن تحويل منصات التشريع إلى أدوات لإصدار "صكوك الموت" يمثل انحداراً أخلاقياً يحول سلطة الاحتلال إلى كيان "يشرعن الإبادة القانونية"، ضارباً بالاتفاقيات الدولية التي تُعد من القواعد الآمرة التي لا يجوز مخالفتها أو القفز عليها تحت أي مبرر سياسي أو أمني.
ثانياً: النداء الأخير للضمير العالمي
أين هو "الضمير العالمي" من هذا التغول التشريعي؟ إننا ومن منطلق المسؤولية القانونية والأخلاقية، نوجه نداءنا إلى:
1. *الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان:* للوقوف أمام مسؤولياتهم التاريخية ومنع تنفيذ هذه الجرائم التي تتدثر بغطاء قانوني زائف.
2. *المحكمة الجنائية الدولية:* لاعتبار هذا التشريع "جريمة مكتملة الأركان" ودليلاً إضافياً على ارتكاب جرائم حرب تستوجب الملاحقة الفورية للمحرضين والمنفذين.
3. *المنظمات الحقوقية الدولية:* لكسر حاجز الصمت والتحرك الجاد لحماية آلاف الأسرى الذين باتت حياتهم رهينة لأهواء سياسية متطرفة.
ثالثاً: القانون الدولي في قفص الاتهام.. ماذا سيقول الأكاديميون؟
أمام هذا الانهيار، يبرز تساؤل جوهري ومرير: ماذا يمكن أن يقول مدرس مادة القانون الدولي لطلبته بعد اليوم؟ وكيف سيجرؤ أساتذة الجامعات والأكاديميات العالمية على تدريس نظريات "العدالة" و"الحماية الدولية"؟
إن أساتذة القانون والمشرفين على أبحاث الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه) سيجدون أنفسهم أمام إحراج أخلاقي ومهني مباشر. فكيف سيقنعون الباحثين بجدوى دراسة المعاهدات الدولية بينما تُنتهك في وضح النهار؟ لقد أصبحت هذه المواد والمجلدات القانونية —في ظل هذا التشريع— مجرد حبر على ورق، وتجريداً نظرياً لا صلة له بالواقع المأساوي. إن استمرار هذا التغول يعني إعلان وفاة "الدرس الأكاديمي القانوني" وتحويله إلى مجرد سرد لتاريخ من الأوهام التي لم تصمد أمام همجية القوة.
رابعاً: مسؤولية إنسانية لا تقبل القسمة
إن السكوت عن هذا القانون ليس صمتاً محايداً، بل هو مشاركة ضمنية في الجريمة. إن العالم اليوم يقف أمام اختبار وجودي لمبادئه: فإما الانتصار لمبادئ حقوق الإنسان التي صِيغت بمداد التضحيات بعد حروب عالمية مريرة، أو السماح لشريعة الغاب بأن تسود تحت سمع وبصر القوى الكبرى.
إن الأسرى الفلسطينيين ليسوا مجرد أرقام في سجلات الاعتقال، بل هم حملة قضية عادلة ورموز للتحرر الوطني، وإن محاولة إعدامهم قانونياً هي في الحقيقة محاولة لإعدام مفهوم "العدالة الدولية" ذاتها وتشييع لجثمان القانون الدولي إلى مثواه الأخير.


























