بقلم/ محمد حسين العمري
التاج الذي نُزع عن رأس صنعاء وتاريخٌ ذُبح بسكين "الحداثة"
هل يكفي البكاء على الأطلال حين تكون "الأطلال" ذاتها قد سُويت بالأرض، ودُفنت تحت أسفلت المدينة الحديثة؟ نتحدث اليوم بمدادِ القلب، ونبشِ الجرح الذي لم يندمل، عن **"باب شرارة"**؛ ليس مجرد بوابة خشبية صماء، بل "أيقونة" الجمال الصنعاني التي أُهدر دمها في ستينيات القرن الماضي باسم "التوسعة" الزائفة، في واحدة من أكبر الجرائم الحضارية في تاريخ اليمن المعاصر.

الموضع والمقام: هنا كان ينبض قلب العاصمة
لكي تدرك حجم المأساة، عليك أن تتخيل خارطة صنعاء اليوم. في قلب ما يسمى "ميدان التحرير"، وتحديداً حيث يقف **البنك اليمني للإنشاء والتعمير شامخاً، وأمام نصب مارد الثورة هناك، تحت أقدام المارة وعجلات السيارات، ترقد رفات التاريخ. كان "باب شرارة" هو الفاصل المهيب والواصل الحميم بين تجذر "صنعاء القديمة" وانفتاح "بير العزب" بحدائقها وقصورها.

باب شرارة في سفر التاريخ
(المصادر والمراجع)
لم يكن هذا الباب عابراً، بل خلدته أقلام المؤرخين كأجمل أبواب اليمن قاطبة:
القاضي عبد الواسع الواسعي في "فرجة الهموم": وثّق بناءه في عهد الوالي العثماني "حسين حلمي باشا" عام 1314هـ (1896م) كبديل متطور لـ "باب السبح" القديم.
المؤرخ محمد بن محمد زبارة في "نيل الوطر أشار إلى ثقله السياسي كمركز انتقال بين المدينة المسورة ومقرات الحكم الجديدة.
الرحالة "أمين الريحاني" و"هانس هولفريتز" وصفوه بـ"البوابة الفارهة" التي تختلف عن طابع صنعاء الحربي، حيث غلب عليها الترف المعماري.
أيقونة الجمال الموؤود: سقفٌ لم تره عين في غيره بينما كانت بقية الأبواب للحماية، كان "شرارة" للدهشة والتباهي الحضاري:
1. السقف المنقوش:تميز بسقف داخلي من الخشب الثمين، نُقشت عليه زخارف هندسية وبديعية بصبغة يمانية أصيلة، كان العابر تحته يشعر وكأنه يمر في رواق ملكي باذخ.
2. **التصميم الهيكلي جُمع في بنائه بين الحجر الحبش الأسود والآجر الأحمر، بأسلوب يمزج بين الفخامة اليمانية والروح الصنعانية.

نكسة 1963م
حين سقط الحارس وغاب الوعي
في عام **1963م، ارتكبت "يد الهدم" جريمة لا تغفر. تحت لافتة "التحديث"، انقضت المعاول بجهل مركب على سور صنعاء العظيم، فهدمت الباب وأجزاء واسعة من السور، واقتلعت معها معالم دينية كـ **جامع قبة المحسن** و**جامع حجر**. لقد مُحي من الخريطة، ولم ينجُ من تلك المذبحة إلا **"باب اليمن"**؛ الذي بقي وحيداً، يتيماً، شاهداً على زمنٍ كنا نملك فيه "القمة" ولم نعرف كيف نصونها.
صرخة نذير:
إن "باب شرارة" لم يسقط بعامل الزمن، بل سقط بجهل من ظنوا أن الحضارة مجرد أسمنت وأسفلت. لقد فتحوا الطريق للسيارات.. ولكنهم أغلقوا للأبد بوابة الجمال. سلامٌ على سقفٍ منقوش صار رماداً، وعلى بابٍ كان يُشرق بالبهاء فأطفأه العمى.
>
✍???? بحث وإعداد وتوثيق
محمد حسين العمري
المصادر المحققة
1. **فرجة الهموم والحزن في تاريخ اليمن القاضي الواسعي.
2. نيل الوطر من تراجم رجال اليمن المؤرخ محمد زبارة.
3. الأرشيف الوثائقي لبلدية صنعاء القديمة.
4. **حوليات يمانية - دراسات في تاريخ صنعاء المعاصر.
#تاريخ_اليمن #صنعاء_القديمة #باب_شرارة #ميدان_التحرير #تراث_اليمن_الموؤود #محمد_حسين_العمري #ذاكرة_صنعاء #هوية_اليمن

نقلاً من صفحة الكاتب بالفيسبوك

حول الموقع

سام برس