بقلم/ محمود كامل الكومي
أَنَا مَحْمُودُ كَامِلُ الكُومِي وَسِيمُونُ إِيتْيَان، نَجُوبُ أَحْيَاءَ بَارِيس،
١-نَبْدَأُ مِنَ الحَيِّ اللَّاتِينِيِّ (Quartier Latin).
في مساءٍ باريسيٍّ مائلٍ إلى الزرقة، كان الحيّ اللاتيني في Paris يتنفّس ببطءٍ كعاشقٍ أنهكه الانتظار. جلس محمود إلى طاولةٍ صغيرةٍ على رصيف مقهى عتيق في Latin Quarter، يراقب المارّة وهم ينسابون بين الضوء والظل، كأنهم سطورٌ في روايةٍ لم تُكتب بعد.
كان يحمل فنجان قهوته دون أن يشرب. يحدّق في الدخان المتصاعد كأنه يبحث فيه عن إجابةٍ أو ملامح وجهٍ غاب طويلًا. وعلى الناصية، كانت عازفة كمانٍ شابة تسرق من صمت المساء نغمةً حزينة، تذكّره بشيءٍ لم يحدث بعد… أو ربما حدث في قلبه فقط.

ظهرت سيمون .
لم تأتِ فجأة، بل كأن الشارع نفسه مهّد لقدومها. خطواتها كانت واثقة، لكن عينيها تحملان حكاية ارتباكٍ خفي. توقّفت لحظةً قبل أن تقترب، كأنها تمنح المسافة حقّها الأخير في الاعتراض.
— تأخرتُ؟
قالتها بابتسامةٍ خفيفة، فيها اعتذارٌ لا يريد أن يُقال.
رفع محمود رأسه، نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء:
— لا… كنتُ أصلُ إليكِ ببطء.
جلست. سكتا.
لم يكن الصمت بينهما فراغًا، بل امتلاءً بما لا يُقال. مرّ نادلٌ فرنسيّ، وضع أمامها فنجان قهوةٍ دون أن تسأله—كأن المقهى يعرف العائدين إليه أكثر مما يعرفون أنفسهم.
قالت سيمون وهي تتأمّل الشارع:
— هذا المكان يشبهنا… قديم، لكنه لا يشيخ.
ابتسم محمود:
— أو ربما نحن من نحاول أن نشبهه… حتى لا نعترف أننا تغيّرنا.
نظرت إليه. تلك النظرة التي لا تُقاس بالوقت، بل بما تحمله من ذاكرة.
— هل تغيّرنا فعلًا؟
أطرق قليلًا، ثم قال:
— نحن لا نتغيّر… نحن فقط نكتشف ما كنّا نخفيه عن أنفسنا.
ساد صمتٌ آخر، لكن هذه المرّة كان أكثر دفئًا.
في الخلفية، ارتفعت نغمة الكمان، كأنها تُعلن نهاية فصلٍ وبداية آخر. مدّ محمود يده قليلًا على الطاولة، لم يلمس يدها، لكنه اقترب بما يكفي ليقول ما لا يُقال.

سيمون لم تسحب يدها.
ــ قُلْتُ: يَا سِيمُون، مَا أَهَمُّ مَظَاهِرِ تَمَيُّزِ الحَيِّ اللَّاتِينِيِّ (Quartier Latin)؟
ــ قَالَت سِيمُون: إِنَّهُ قَلْبُ الحَيَاةِ الثَّقَافِيَّةِ فِي باريس، تَنْتَشِرُ فِيهِ الجَامِعَاتُ العَرِيقَةُ مِثْلُ جامعة السوربون، وَتَكْثُرُ المَكْتَبَاتُ وَالمَقَاهِي الأَدَبِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ مَلْتَقًى لِلْكُتَّابِ وَالمُفَكِّرِينَ.
ــ قُلْتُ: وَمَا مَوْقِعُهُ فِي المَدِينَةِ؟
ــ قَالَت: يَقَعُ فِي الضِّفَّةِ اليُسْرَى لِنَهْرِ نهر السين، قُرْبَ كَثِيرٍ مِنَ المَعَالِمِ التَّارِيخِيَّةِ.
ــ قُلْتُ: وَلِمَاذَا سُمِّيَ بِهَذَا الاسْمِ؟
ــ ابْتَسَمَت سِيمُون وَقَالَت: لِأَنَّ الطُّلَّابَ وَالأُسَاتِذَةَ فِي العُصُورِ الوُسْطَى كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِاللُّغَةِ اللَّاتِينِيَّةِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الاسْمُ، وَصَارَ يُعْرَفُ بِالحَيِّ اللَّاتِينِيِّ.
ــ قُلْتُ: كَأَنَّنِي أَمْشِي فِي كِتَابٍ مَفْتُوحٍ!
ــ فَضَحِكَت سِيمُون: بَلْ أَنْتَ فِي رِوَايَةٍ تَكْتُبُ نَفْسَهَا
وفي تلك اللحظة، لم يكن المقهى مجرد مكان، ولا الحيّ اللاتيني مجرد ذاكرة… بل صار احتمالًا. احتمال أن تُكتب الحكاية من جديد، أو أن يُعاد قراءتها بقلبٍ أقلّ خوفًا.
وفي باريس، دائمًا، هناك ما يبدأ حين نظن أن كل شيء قد انتهى.
الي اللقاء مع حي آخر من أحياء Paris, la Ville Lumière (باريس مدينة النور

*كاتب ومحامي مصري

حول الموقع

سام برس