سام برس
*أولاً: المقدمة الوجدانية والفلسفية*
تنبثق هذه القصيدة من مشكاة الحكمة اليمانية الضاربة في جذور التاريخ، حيث يمتزج فيها عقل الموجه العسكري والقاضي الفقيه بوجدان الشاعر. إن "فلسفة الوجود والناس" ليست مجرد أبياتٍ تُلقى، بل هي *مانيفستو أخلاقي* يحاول فك شفرة العلاقات البشرية في زمنٍ طغت فيه المادة على القيم الروحية.
يرسم الرصابي صورة "الدنيا القناع"، حيث الوجوه تتبدل بتبدل المصالح، ويركز على جدلية *(المال والوفاء)*؛ فبقدر ما يمتلك المرء من حطام الدنيا، يزداد حوله الضجيج، وبقدر ما يفتقر، تضيق حوله الدوائر. لكن الشاعر لا يقف عند حد الرصد البائس للواقع، بل يقدم الحل في "الاستعلاء الإيماني" والترفع الأخلاقي، داعياً إلى بناء "القلعة الداخلية" للإنسان (عزة النفس) التي لا تنهار بانهيار الظروف الخارجية.
## *ثانياً: قصيدة فلسفة الوجود والناس*
*شعر: القاضي د. حسن حسين الرصابي*
نَصِيبُكَ في حَياتِكَ مِـن حَبِيـبٍ .. نَصِـيبُكَ فِـي مَنـامِكَ مِن خَيـالِ
وَمَا الدُّنْيَا سِوَى زَيْفٍ وَخِدْعٍ .. تُبَدِّلُ فِـي الـوُجُوهِ وَفِـي الحِبـالِ
إِذَا قلَّ مَـالُ الـمَرْءِ جَـافَاهُ صَحْبُهُ .. وَصَارَ غَرِيبـاً بَيـنَ أَهْـلِ وَآلِ
وَمَا كُلُّ مَنْ يُبْدِي التَّعَاطُفَ صَادِقٌ .. فَكَمْ فِـي زَوايا القَلـبِ شَـرُّ نَـوالِ
*وَرُبَّ أَخٍ يُريكَ الشَّهْدَ نُطْقاً .. وَفِي الأَعْمَاقِ سَمٌّ لِلنِّصالِ*
*فَلا تَرْكَنْ لِبَهْرَجَةِ المَظَاهرْ .. فَمَا كُلُّ اللَّمِيعِ مِنَ اللآلي*
*رَأَيْتُ الدَّهْرَ يَرْفَعُ كُلَّ نَذْلٍ .. وَيَخْفِضُ كُلَّ ذِي أَدَبٍ وَعَالِ*
فَـكُـنْ رَجُـلاً إِذَا عَـزَّ الـوَفـاءُ .. فَرِيـدَ الصِّيـتِ مَحـمُودَ الخِصـالِ
وَلا تَـرْكَنْ لِـقَولٍ فِـيـهِ مَكْـرٌ .. فَـبَـعْـضُ الـنُّصْحِ سَـهْمٌ لِاغْتِيـالِ
*إِذَا رَابَتْكَ مِنْ خِلٍّ فِعَالٌ .. فَطَلِّقْ وُدَّهُ قَبْلَ السُّؤالِ*
*وَطِرْ بِجَنَاحِ صَبْرِكَ فِي المَعَالي .. وَعِشْ حُرّاً نَقِيًّا كَالجِبَالِ*
فَـعِـزُّ الـنَّـفْسِ أَنْ تَـحْيـا أبِـيًّـا .. وَلا تَـكُـنِ الـبَـديـلَ لِأَيِّ حـالِ
*فَمَا فِي العُمْرِ بَعْدَ الشَّيْبِ لَهْوٌ .. وَلا فِي الزَّادِ غَيْرُ صَفَا الفِعَالِ*
## *ثالثاً: التحليل والنقد*
* *الوزن والقافية:* نُظمت القصيدة على *بحر الوافر* (مفاعلتن مفاعلتن فعولن)، وهو بحر يمتاز بالجزالة والقدرة على حمل معاني الحكمة والوعظ. أما "اللام المكسورة" في القافية، فقد أضفت جرسًا موسيقياً يوازن بين الحزم في الموقف والأسى على تبدل الأحوال.
* *الوحدة الموضوعية:* القصيدة متماسكة بنيوياً؛ بدأت بالتشخيص (زيف المظاهر)، ثم انتقلت للتوجيه (الحذر من المكر)، وختمت بالخلاصة الوجودية (عزة النفس وصفاء الفعال).
* *النقد الأدبي:*
* *مكمن القوة:* الصدق الشعوري؛ فالقصيدة ابنة التجربة الحياتية العميقة، وليست مجرد ترف فكري.
* *الصورة الشعرية:* استخدم الشاعر استعارات قوية مثل (سم النصال، بهرجة المظاهر، جناح الصبر)، مما جعل النص مرئياً ومؤثراً في وجدان المتلقي.
## *رابعاً: الخلاصة*
تعد هذه الأبيات "زبدة التجربة"؛ فهي تلخص عبثية التعلق بالمتغيرات، وتدعو إلى *الاستمساك بالثوابت الأخلاقية. إنها دعوة لأن يكون الإنسان "فريد الصيت" بجوهر معدنه لا ببريق ماله، وبمواقفه الراسخة كالجبال. هي باختصار: **فلسفة البقاء بكرامة في عالمٍ متقلب.*
*الرون بني الربيع - مديرية حيس - محافظة الحديدة*
*9 أكتوبر 2019م*


























