بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
تابعت خلال السنوات الماضية كثيرا من الذين تحدثوا عن الفساد وعن معاناة اليمنيين وعن ضرورة بناء الدولة والعدالة وكان الناس ينظرون اليهم باحترام كبير ويعتقدون انهم يحملون مشروعا وطنيا صادقا لكن المؤلم ان كثيرا من تلك الاصوات سقطت مع اول اختبار حقيقي وتحولت المبادئ التي كانوا يرفعونها الى مجرد كلمات للاستهلاك والمساومة واكتشف الناس ان بعض من قدموا انفسهم كمدافعين عن الوطن لم يكونوا سوى باحثين عن منصب او نفوذ او امتيازات.

ومع اول فرصة حصل عليها هؤلاء ظهرت حقيقتهم بوضوح فتغيرت مواقفهم واختفت خطاباتهم السابقة واصبحوا يبررون الاخطاء نفسها التي كانوا يهاجمونها بل ان بعضهم تحول الى اداة لتلميع الفساد والدفاع عن الفاشلين مقابل الحفاظ على مصالحه الشخصية وهكذا فقدت كثير من الشعارات معناها وتحولت الكتابات والخطب التي كانت تملأ الفضاء الى شيء يشبه السراب الذي يختفي بمجرد اقترابه من الواقع.

الحقيقة ان الثبات على الموقف والمبداء في اليمن اصبح ثمنا باهظا يدفعه الانسان من قوت يومه وراتبه وعمله وعلاقاته الاجتماعية لان من يرفض النفاق والتطبيل او يصر على قول الحقيقة يجد نفسه معزولا ومحاصرا بينما تفتح الابواب امام من يجيدون مجاملة اصحاب القرار وتبرير الاخطاء وتغيير مواقفهم بحسب المصالح ولهذا اصبح كثير من الناس يرون ان الطريق الاسهل للوصول ليس الكفاءة ولا النزاهة بل القدرة على التلون والانحناء امام النفوذ مهما كانت النتائج على الوطن والمجتمع.

هذه الحالة تركت اثرا خطيرا على المجتمع اليمني وعلى وعي الناس لان المواطن حين يرى ان كثيرين ممن تحدثوا باسم الوطن باعوا مواقفهم عند اول اغراء يفقد ثقته بالجميع ويشعر ان الصدق اصبح استثناء نادرا كما ان الشباب الذين يشاهدون هذه التحولات قد يقتنعون مع الوقت ان المبادئ لا قيمة لها وان الوصول يحتاج فقط الى تبديل الاقنعة بحسب تغير الظروف وهو ما يهدد مستقبل الحياة السياسية والاجتماعية في اليمن.

ورغم كل هذا تبقى المواقف الصادقة اكثر بقاء من المناصب والمكاسب لان التاريخ لا يحترم الذين غيروا وجوههم مع كل مرحلة بل يحترم الذين حافظوا على كرامتهم وثباتهم رغم الخسائر واليمن اليوم لا يحتاج الى المزيد من الخطب والشعارات بقدر حاجته الى رجال يمتلكون الشجاعة ليقولوا الحقيقة ويتمسكوا بها حتى عندما تكون مكلفة لان الاوطان لا تبنى بالمجاملة ولا بالنفاق بل بالمواقف الصادقة والتضحيات الحقيقية.

حول الموقع

سام برس