بقلم/ محمود عبد الراضى
تتوقف عقارب الكون وتتجه أنظار الوجود نحو بقعة مباركة، حيث تنطلق الأنفاس ملبية، وتتسابق القلوب متطلعة إلى السماء في يوم ليس كباقي الأيام، إنه يوم التروية، المحطة التي يتزود فيها العباد بالدموع والدعاء قبل الوقوف على أعتاب عرفات.

في هذا اليوم العظيم، لا تبحث الأرواح عن ماء يروي ظمأ الأجساد، بل تفتش في دفاتر خطاياها عن غيث يروي ظمأها بالمغفرة والرضا، ويسكب في شرايينها المحبة والطمأنينة.

القلوب التي طالما عانت من "جفاف" الذنوب، تجد في التروية "رياً" لا ينضب؛ فكلما "أروى" العبد خطاياه بدموع الندم، "رُويت" روحه ببهجة القبول.

يرفع البشر أكف الضراعة، يطلبون من رب السماء ستر العيوب وراحة البال، وغسيل هموم الدنيا التي أثقلت الكواهل وأنحلت الأجساد.

هو يوم لخلع ثياب الدنيا الفانية وارتداء بياض القلوب قبل بياض الثياب، حيث تتلاشى الفوارق وتتوحد الصرخات في نداء واحد يرجو العفو والنجاة.

تأمل في مشهد الحجيج وهم يتدفقون نحو منى، تجد في عيونهم حكاية أمة تبحث عن السلام النفسي وسط ركام الحياة وضجيجها.

هؤلاء لم يتركوا ديارهم طلباً لراحة، بل جاءوا يرجون أن تروى أرواحهم بفيض من السكينة التي افتقدوها في دروب الحياة الوعرة.

وفي كل تلبية تصدح بها الحناجر، هناك قصة منكسر يرجو الجبر، ومهموم ينتظر الفرج، ومذنب يطرق باب الكريم واثقاً بأن رداء الستر لن يخذله أبداً.

يوم التروية هو بمثابة نداء روحي يذكرنا بأن ري القلوب الحقيقي لا يكون إلا بالاقتراب من الخالق، وأن طهارة النفس تبدأ من غسل الهموم بماء اليقين.

إنها ساعات معدودة ترسم ملامح الغفران، وتمهد الطريق ليوم الزحام الأكبر فوق جبل الرحمة.

تحية لكل قلب تجرد من حظوظ نفسه وتطلع إلى السماء يرجو الطمأنينة والرضا، وسلام على تلك الأرواح التي طهرت نفسها بالدعاء، وصنعت من يوم التروية بداية جديدة لحياة يملأها النور والستر والسلام والمحبة والطمأنينة.
نقلاً عن اليوم السابع

حول الموقع

سام برس