بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
* الهروب من الوثنية الحجرية إلى الوثنية الذهنية

كانت لقريش في سالف عهدها أكثر من ثلاثمائة صنم حجرية؛ يُجسّد كلٌّ منها مصلحةً براغماتية، أو خوفاً وهماً، أو عصبية قَبَلية عمياء. وجاء الإسلام الرسالي برسالته التنويرية ليرفع عن كاهل البشرية عبء السجود لغير الله، محطماً تلك التماثيل الصخرية ليُحرر الإنسان ويمنحه كرامته. غير أن عوادي الزمن، وانحرافات مجرى التاريخ، صنعا للأمة ومجتمعاتها أصناماً من نوع آخر أشد فتكاً وضراوة: أصناماً لم تُنحت هذه المرة من جبال مكة، بل استوطنت العقول، وعشّشت في النفوس، وضُربت حولها قلاع من القداسة الزائفة.

لقد تحول المشهد عبر القرون – و يا للأسف – من عبادة الأوثان الصماء التي لا تملك نفعاً ولا ضراً، إلى تقديس مُقنّع للأشخاص، والمذاهب، والطوائف، والروايات، والرايات. حتى غدا الإنسان في واقعنا المعاصر يولد مسلماً بالفطرة النظيفة، ليتلقفه المجتمع مباشرة بأسئلة التقسيم والتصنيف، والفرز الطائفي الضيق، وكأن جوهر الدين الخاتم ورحمته العالمية باتا محصورين في خلافات فقهية فرعية، أو في خصومات سياسية وتاريخية مضى عليها أكثر من ألف عام، تُسفك اليوم في سبيلها دماء معصومة، وتُهتك لأجلها حرمات مصونة.

- تجليات الصنم الفكري في واقعنا المعاصر
إن الصنم في حقيقته الفلسفية والدينية ليس مجرد حجرٍ أو خشب يُركع له، بل هو كل "سلطة معرفية أو بشرية" تُنازع النص الإلهي قطعي الثبوت والدلالة، وتُلغي عقل الإنسان وحريته. وتتجلى هذه الأصنام اليوم في أربعة مظاهر رئيسية:

الفكرة المتحجرة: التي تُحاط بهالة من التقديس الزائف، ويُضرب حولها سياج يُحرم انتقادها، أو تمحيصها، أو إخضاعها لميزان النقد العلمي.

تأليه الأشخاص (الكهنوت المبتدع): حين يُرفع البَشر فوق مستوى المساءلة والنقد البناء، ويُتعامل مع اجتهاداتهم الإنسانية وكأنها تشريع إلهي واجب الاتباع دون وعي أو تدبر.

* التناول الجامد للتراث: حين يُعامل المُنتج الفكري والاجتهادي لعلماء العصور السابقة كأنه وحيٌ معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مع إغفال تام لزمانيته ومكانيته وسياقه التاريخي.
* التعصب المذهبي الحزبي: حين يُقدَّم المذهب – وهو مجرد طريق وفهم بشري للدين – على قيمة الإنسان نفسه، وعلى حرمة دمه التي هي أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة.

لقد حوّل هذا التعصب الأعمى "الانتماء المذهبي" في أقطار شتى من عالمنا العربي والإسلامي من "مدرسة فكرية إثرائية" إلى "بطاقة للهوية أو النجاة أو الموت"، وغرس في أذهان الناشئة والشباب مفاهيم الكراهية والتمترس والإقصاء، قبل أن يتعلموا قيم الرحمة، والتسامح، والتعايش الإنساني الفسيح التي جاء بها الدين الحنيف.
- من تدمير الحجر إلى تحرير البشر
إن المشكلة الحقيقية لم تكن يوماً في "أصل الاختلاف البشري"؛ فالاختلاف طبيعة إنسانية، وسنة كونية، وآية من آيات الله في الخلق والكون. وإنما تكمن المعضلة الكبرى في "التقديس الأعمى" الذي يجعل الطائفة أهم من الحقيقة، والانتماء الحزبي أو المذهبي أشد حظوة من العقل والعدل.
- مربط الفرس وخلاصة القول:

- لقد حُطّمت أصنام الحجر في صدر الإسلام بضربات الفؤوس، لكن أصنام التعصب نمت وتجذرت في النفوس لتصبح اليوم أشد ضراوة وأكثر دموية. فالصنم الحجري صامت، لا يملك نفعاً ولا ضراً، ولا يقتلك إن لم تؤمن به؛ أما الصنم الفكري القابع في العقول، فيدفع الإنسان لنحر أخيه في الدين والوطن والإنسانية، وهو يظن – واهماً ومغيباً – أنه يتقرب بدمه إلى رب العالمين!
- إن واجب الوقت اليوم، ومسؤولية العلماء والمفكرين، يتلخصان في معركة كبرى: معركة تحطيم أصنام العقول، ليعود للدين جوهره الطاهر، وللإنسان عقله الحر.

حول الموقع

سام برس