بقلم / اللواء/ صيفان الحجيري
في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات وتتزاحم فيه النماذج السريعة التي تلمع للحظة ثم تنطفئ، تبقى المجتمعات في حاجةٍ إلى شخصيات لا تُقاس قيمتها بما تحمله من ألقاب أو مناصب، بل بما تتركه من أثرٍ في الناس، وما تشيده من جسورٍ في الوعي، وما تغرسه من معانٍ قادرة على البقاء. فالأمم لا تتقدم بكثرة الأحاديث عن النجاح، وإنما بكثرة النماذج الحية التي تمنح الآخرين دافعًا للمسير والتغيير.
ومن بين تلك الصور المضيئة يبرز ثنائي الدكتور طه الميموني، استشاري القسطرة والأوعية الدموية، والأستاذ محمد الدلواني، الكاتب والشخصية الإدارية والفكرية؛ كثنائيةٍ متفردة جمعت بين المعرفة والخلق، وبين التخصص الإنساني والرؤية المجتمعية، والمدهش حين بدت مسيرتهما وكأنها التقاء خطين مختلفين في الاتجاه، لكنهما يتحدان في الغاية والهدف.

فالدكتور طه الميموني يمثل الوجه الإنساني للعلم حين يتحول الطب من مهنةٍ إلى رسالة، ومن تخصصٍ دقيق إلى مساحةٍ رحبة من الود تتسع للرحمة قبل العلاج؛ حيث لا تصبح المعرفة الطبية مجرد أدوات تشخيص وإجراءات علاجية، بل حالةً من الإحساس العميق بآلام الناس، ومسؤوليةً أخلاقية تجاههم.

وعلى الضفة الأخرى يقف الأستاذ محمد الدلواني، الكاتب وصاحب الحضور الإداري والفكري، الذي جعل من الكلمة نافذةً للوعي، ومن الفكر أداةً للبناء، ومن الرؤية وسيلةً لتقريب المسافات بين الإنسان ومحيطه. فهناك رجال يكتبون الكلمات، وهناك من يجعلون الكلمات تكتب حضورهم في ذاكرة الناس.

غير أن ما يمنح هذه الثنائية معناها الأعمق لا يكمن في نجاح كل واحدٍ منهما في مجاله فحسب، بل في ذلك الرابط الإنساني الرفيع الذي جمع بينهما؛ رابط الصداقة الصادقة التي تجاوزت حدود المجاملة العابرة أو المصالح المؤقتة، لتصبح حالةً من الانسجام الفكري والأخلاقي، وتوافقًا بين قيمٍ مشتركة ورؤيةٍ متقاربة للحياة والناس.

فالصداقة بين العقول الكبيرة ليست مجرد لقاء أشخاص، بل لقاء مبادئ. وحين تجتمع الكفاءة مع الوفاء، والعلم مع الإنسانية، والفكر مع الإخلاص، تتولد حينها صور حية تحتاجها المجتمعات خاصة في الأوقات الصعبة؛ لأن الأوطان لا تُبنى بالأفراد المنعزلين مهما بلغت قدراتهم، وإنما تُبنى بالشراكات الإنسانية الصادقة التي تصنع التكامل وتؤسس لديمومة الأثر.

إن الوطن اليوم بحاجةٍ إلى مثل هذه النماذج؛ أصدقاء يجمعهم الإيمان بالعمل لا التنافس على الأضواء، ويقربهم همّ الناس لا ضيق المصالح، ويجعل من اختلاف التخصص مدخلا للتكامل لا سببًا للتباعد.
وبالتالي فإنا هنا لا نقف أمام طبيب وكاتب فحسب، بل أمام رسالةٍ أوسع: أن الإنسان يستطيع أن يكون ناجحًا في مهنته، نبيلًا في أخلاقه، وفيًا في صداقته، وأن يترك للناس مثالًا يُحتذى، وللشباب مدخلًا نحو المستقبل، وللوطن معنى يؤكد أن الأوطان العظيمة تُصنع حين تتصافح القلوب كما تتصافح العقول.
وحين ترقبهما معا، يطمئن القلب أن الوطن بخير، وأن عواصف التحولات لا بد راحلة ما دام فينا نماذج باذخة حية، تمد يدها للعلاج والإصلاح بشغفٍ وحب.
حغظ الله الوطن.
حفظ الله اليمن.

حول الموقع

سام برس