بقلم/ أ. د. محسن محمد صالح
قد يستغرب البعض من سؤال العنوان إن كانت حماس قد وقّعت على خطة ترامب؟ غير أنك قد تُفاجَأ عندما تسمع البعض يقول نعم وقّعت!! بينما يقول البعض الآخر أنها لم توقّع، وإنما أعطت موافقة جزئية.
لم يكن يدَرْ في ذهن كاتب هذه السطور أن يكتب مقالاً حول هذا الموضوع، لولا أنه فوجئ بشخصيات فلسطينية متخصصة ومنغمسة في الشأن الفلسطيني أحدها يرأس مركز دراسات، حيث كنت ضيفاً معه على الجزيرة مباشر، والثانية شخصية فلسطينية عامة قادمة من الغرب كنت ضيفاً معها في أحد برامج الجزيرة... حيث ذكر كلاهما أنّ حماس وقّعت أو وافقت على خطة ترامب.
والحقيقة أن هناك فرقاً جوهرياً بين الموافقة العامة على الوثيقة، وبين أن توافق على بعض نقاطها، أو تتحدث بروح إيجابية عن الجهود المبذولة لإعدادها، ولكن دون أن تُعلن موافقتها على باقي النقاط أو تحيل باقي النقاط للتوافق الفلسطيني باعتبارها نقاطاً لا تخص حماس وحدها، وإنما تحتاج قراراً وطنياً فلسطينياً، وهو ما فعلته حماس.
جاء في النص الذي أعلنت فيه حماس موقفها من خطة ترامب (والذي وافقت على مضمونه فصائل المقاومة الفلسطينية) في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2025 ما يلي:
"تقدر حركة المقاومة الإسلامية حماس الجهود العربية والإسلامية والدولية، وجهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداعية إلى وقف الحرب على قطاع غزة، وتبادل الأسرى ودخول المساعدات فوراً، ورفض احتلال القطاع، ورفض تهجير شعبنا الفلسطيني منه.
وفي إطار ذلك وبما يحقق وقف الحرب والانسحاب الكامل من القطاع، تعلن الحركة عن موافقتها على الإفراج عن جميع أسرى الاحتلال أحياء وجثامين، وفق صيغة التبادل الواردة في مقترح الرئيس ترامب ومع توفير الظروف الميدانية لعملية التبادل، وفي هذا السياق تؤكد الحركة استعدادها للدخول فوراً من خلال الوسطاء في مفاوضات لمناقشة تفاصيل ذلك.
كما تجدد الحركة موافقتها على تسليم إدارة قطاع غزة لهيئة فلسطينية من المستقلين (تكنوقراط) بناء على التوافق الوطني الفلسطيني واستنادا للدعم العربي والإسلامي.
وما ورد في مقترح الرئيس ترامب من قضايا أخرى تتعلق بمستقبل قطاع غزة وحقوق الشعب الفلسطيني الأصيلة فإن هذا مرتبط بموقف وطني جامع واستنادا إلى القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة، ويتم مناقشتها من خلال إطار وطني فلسطيني جامع ستكون حماس من ضمنه وستسهم فيه بكل مسؤولية." انتهى
يظهر أنّ حماس كانت واضحة ومحددة في النقاط التي وافقت عليها من بين نقاط الخطة العشرين، وهي نقاط مرتبطة أساساً بما يُعرف بالمرحلة الأولى من الاتفاق، والتي تتقاطع مع أهداف المقاومة والحاضنة الشعبية في قطاع غزة، وخصوصاً وقف الحرب ودخول المساعدات ورفض التهجير وتبادل الأسرى. أما كل النقاط الأخرى المرتبطة بمستقبل القطاع وحقوق الشعب الفلسطيني، فقد ربطتها حماس بموقف وطني فلسطيني جامع.
أما عملية المفاوضات التي تلت ذلك في شرم الشيخ بمصر، فقد اقتصرت على كيفية إنفاذ المرحلة الأولى من الاتفاق، وما وافقت عليه حماس (ومعها فصائل المقاومة) أو وقّعت عليه في 9 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 فقد كان مقتصراً على تفصيلات المرحلة الأولى، حول آلية تبادل الأسرى وأعداد الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم، وإدخال المساعدات واحتياجات القطاع (600 شاحنة يومياً)، وتحديد خطوط الانسحاب الإسرائيلي المؤقّت، وعودة المُهجَّرين.
وأكدت حماس في تصريحها الرسمي الذي صدر حول الاتفاق الثوابت الأساسية التي تلتزم بها، وختمت تصريحها "ونؤكّد أن تضحيات شعبنا لن تذهب هباءً، وأننا سنبقى على العهد، ولن نتخلّى عن حقوق شعبنا الوطنية حتى الحرية والاستقلال وتقرير المصير."
ولا يوجد في أدبيات حماس وبياناتها وتصريحات قادتها الرسمية أي موافقة كاملة على خطة ترامب. وقد يختلف التعبير السياسي بين قيادي وآخر، ولكن لا اختلاف في أنّ الجميع يرفض ارتهان مستقبل قطاع غزة أو القرار الوطني الفلسطيني أو حق مقاومة العدو، بخطة ترامب و"مجلس السلام"، وكلهم يحيلون الأمر إلى التوافق الداخلي الوطني الفلسطيني.
ولو أنّ حماس وقوى المقاومة وافقت ابتداء على خطة ترامب، لكانت آليات تسليم القطاع وتسليم الأسلحة ودخول "قوة الاستقرار" قد بدأت منذ أشهر عديدة؛ ولما احتاج الاحتلال الإسرائيلي لمواصلة حصاره الخانق وعدوانه واغتياله لقادة المقاومة وتوسيع احتلاله من 52% إلى 70%، ومتابعة الضغوط الهائلة على المقاومة وعلى الحاضنة الشعبية.
ربما أسهم في وجود لبس لدى البعض فيما يتعلّق بحدود موافقة حماس، أن ترامب نفسه رحَّب بردّ حماس وتعامل معه بشكل إيجابي؛ حيث إنه كان يريد أن يبني عليه، ما يَعدُّه نجاحاً لجهوده في وقف الحرب؛ كما بعض مانشيتات الصحف والمواقع الإخبارية عبَّرت بطريقتها، ووفق الرسالة التي أراد محرروها إرسالها، فتحدث بعضها عن موافقة حماس دونما ضبط أو تحديد.
واللافت للنظر أنّ نتنياهو نفسه (وفق ما نقل موقع إكسيوس في 4/10/2025) فوجئ بردّ ترامب على بيان حماس؛ حيث نقل الموقع عن مسؤول إسرائيلي أنّ نتنياهو رأى في ردِّ حماس، خلال مشاوراته قبل إعلان موقف ترامب، رفضاً للخطّة. غير أنّ الجهات الفنية الإسرائيلية المختصة رأت أنّ رد حماس إيجابي يفتح الطريق لاتفاق.
وعندما حدث الاتفاق في شرم الشيخ كان ترامب واضحاً تماماً في أنّ "إسرائيل" وحماس وقّعتا على "المرحلة الأولى" من خطته، وليس على الخطة كاملة.
ومع رفض الاحتلال للالتزام الكامل ببنود المرحلة الأولى، وإصراره على استباحة قطاع غزة، ومتابعة حملات القتل والاغتيال والتدمير، ومتابعة التوسُّع في الاحتلال، ودعمه للمليشيات العميلة، مع عدم السماح بإدخال أكثر من 36% من الشاحنات المفترض دخولها خلال الأشهر الثمانية التالية للاتفاق، بالإضافة على الإصرار على البدء بتسليم حماس لأسلحتها؛ فإنّ المرحلة الأولى ظلت متعثرة، ولم تحدث ظروف مناسبة للدخول في المرحلة الثانية. وعندما حاول ميلادينوف، الذي تولى الإدارة التنفيذية لخطة ترامب، أن يقدّم مقترحاته للدخول في المرحلة الثانية، تبنى في برنامجه المكوّن من 15 نقطة والذي رفعه في 19/4/2026 نزع أسلحة المقاومة كإجراء أساس، معبّراً عن وجهة النظر الإسرائيلية الأمريكية؛ وهو ما رفضته حماس وقوى المقاومة في مذكرتها وتعديلاتها المرفوعة في 13/6/2026. وطوال الوقت أصرّت حماس وقوى المقاومة على أنّ المقاومة المسلّحة حقّ مشروع، وربطت استعدادها لتسليمه باليوم التالي الذي تقوم فيه الدولة الفلسطينية ذات السيادة؛ وبينت أنه لا يمكن ارتهان قوى المقاومة ورقاب عناصرها والحاضنة الشعبية للإرادة الإسرائيلية التي أثبتت وحشيتها ونقضها للعهود والمواثيق، كما لا يمكن تسليم السلاح في ضوء وجود المجموعات العميلة المسلحة، التي تعيث في القطاع فساداً وتستهدف المقاومة ورجالها والأحرار والشرفاء من أبناء القطاع.
وكان واضحاً أنّ الإسرائيليين "تروق" لهم حالة الفوضى واستباحة القطاع، كما عبر وزير الجيش كاتس، لاستخدامها كأدوات ابتزاز وضغط على المقاومة وحاضنتها الشعبية.
ومع رفض حماس وقوى المقاومة تسليم السلاح، ومع إدراك الإدارة الأمريكية ودول العالم بعدم إمكانية نزع سلاح حماس بالقوة بعد أن فشل الإسرائيليون أنفسهم على مدى عامين من حرب الإبادة، وبعدم استعداد أي دولة في العالم للقيام بدور الوكيل عن الاحتلال الإسرائيلي في ذلك، فإن التسريبات والمؤشرات الأمريكية الأخيرة تُظهر رغبة عملية لدى الأمريكان في تجاوز "عقدة السلاح" وإيجاد آلية لا ترفضها حماس وقوى المقاومة، وذلك للمضي قدماً في الخطوات الأخرى.
خطوط حمراء للمقاومة:
تعمل حماس وقوى المقاومة على تثبيت أربعة خطوط حمراء تجاه المرحلة الثانية واليوم التالي لغزة:
1. الحفاظ على سلاح المقاومة، بحيث تكون الترتيبات المتعلقة به شأناً فلسطينياً، وأن يكون تسليمه مرتبطاً بمشروع التحرير وإنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.
2. الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة.
3. كل ما يتعلق بمستقبل قطاع غزة وحقوق الشعب الفلسطيني والقضايا الفلسطينية العامة، يتم مناقشته والتوافق عليه في إطار وطني فلسطيني جامع، تكون حماس وقوى المقاومة جزء منه.
4. توفير كافة احتياجات قطاع غزة، وإدخال المساعدات، وتفعيل عملية الإعمار.
وأخيراً، فلا شك أن حماس وقوى المقاومة لم توافق إلا على المرحلة الأولى من خطة ترامب، وما زالت لديها خطوطها الحمراء التي التزمت بها. ولهذا يقوم الاحتلال الإسرائيلي باستخدام كافة أشكال الضغط والابتزاز العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي والمعيشي في محاولة تطويع قطاع غزة؛ بينما تواصل المقاومة صمودها، وهذا سبب التعثر الذي نراه في مسار ترتيبات اليوم التالي لقطاع غزة.
المصدر:عربي 21


























