بقلم/ يحيى محمد القحطاني
منذ أكثر من عقد، واليمنيون يدفعون من دمائهم وأرواحهم ثمنًا لحربٍ لا يملكون قرارها، ولا يختارون أطرافها، بل يُفرض عليهم أن يكونوا وقودها وضحاياها. تعاقبت الحكومات، وتبدّلت الوجوه، وتناقضت المبادرات، وتعالت الخطب والشعارات، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا: اتساع رقعة الفقر، وانهيار الخدمات، وتآكل فرص الحياة الكريمة. لم يعد الجوع أثرًا جانبيًا للحرب، ولا الفقر نتيجةً عابرة، بل تحوّلا إلى واقعٍ دائم وسياسةٍ تُدار على حساب ملايين اليمنيين.
وكأن قدر اليمنيين أن ينتقلوا من حربٍ إلى أخرى، ومن أزمةٍ إلى أخرى، يحملون وحدهم كلفة الصراعات والانقسامات والفشل، بينما تتقاسم القوى المتصارعة النفوذ والمكاسب. فلا حربٌ أنصفتهم، ولا هدنةٌ خففت معاناتهم، ولا اتفاقٌ انعكس على حياتهم، حتى غدت معركة البقاء هي الشغل اليومي لملايين الأسر اليمنية.
والمشهد اليمني، رغم قسوته، بسيطٌ في معادلته؛ أطرافٌ تتصارع على السلطة والنفوذ، وأخرى تنتظر نصيبها من الغنائم، بينما يظل اليمنيون الخاسر الأكبر في جميع المراحل. اختلفت القوى على كل شيء، لكنها التقت عند نتيجةٍ واحدة: تهميش اليمنيين وإقصاؤهم، حتى بدا وكأنهم الضحية الوحيدة التي لا يختلف عليها أحد.
ورغم الشعارات التي تُرفع باسمهم، والوعود التي تُطلق من أجلهم، لم يحصد اليمنيون سوى المزيد من الجوع والفقر والبطالة وتدهور الخدمات. تحولت معاناتهم إلى مادةٍ للخطب والبيانات، بينما أصبح إقصاؤهم وتهميشهم هو الإجماع الوحيد الذي التقت عليه الأطراف، على اختلاف مشاريعها وشعاراتها. الجميع يتحدث باسم الشعب، لكن الشعب لا يحضر إلا في مواسم الوعود، ولا يُستدعى إلا لدفع فاتورة الإخفاقات.
لكن في اليمن، الذي كان يومًا يُعرف بـ(اليمن السعيد)، لم تنجح القوى المتصارعة في الاتفاق على بناء الدولة، ولا على إنهاء الحرب، ولا على إنقاذ الإنسان، لكنها نجحت من حيث النتيجة في الاتفاق على أمرٍ واحد: أن يبقى اليمنيون وحدهم من يدفعون الثمن. فهم وقود الحروب، وضحايا الأزمات والصراعات والحصار والفقر، بينما يجني غيرهم السلطة والنفوذ والمكاسب. تلك بكل أسف، هي الحقيقة الأكثر مرارة في المشهد اليمني. بدلًا من بناء يمنٍ يتساوى فيه الجميع أمام القانون، ويكون المواطن فيه غاية التنمية، لا ضحية الصراع، ولا وقود الحرب.
والله من وراء القصد.


























