بقلم/ يحيى محمد القحطاني
في اليمن اليوم، لم يعد كثير من الآباء يبحثون عن أبنائهم لأنهم مفقودون، بل لأنهم ضائعون بين حربٍ طال أمدها، وهدنٍ تعاقبت دون أن تصنع سلامًا، وتعليمٍ تعثر، وبطالةٍ أغلقت أبواب المستقبل. وهكذا غدت عبارة "يا لاقي الضائعين" عنوانًا لمأساة جيلٍ كامل، وصرخةً تختزل وجع آلاف الأسر التي لم تفقد أبناءها في الطرقات، بل فقدت أحلامهم وهم يشاهدون أعمارهم ومستقبلهم يتبددان في دوامة الحرب والاستقطاب.

آمن الآباء بأن التعليم طريق النجاة، وأن الطبيب والمهندس والمعلم والمحاسب هم بناة المستقبل، فأنفقوا أعمارهم ومدخراتهم ليصنعوا مستقبل أبنائهم، لكن الحرب كانت أقسى من أحلامهم. ومع اتساع الصراع وتصاعد التعبئة، انجرف آلاف الشباب من مقاعد الدراسة إلى ساحات القتال، بينما وقف الآباء عاجزين أمام انهيار ما بنوه من آمال.

ثم جاءت الحصيلة.

فمنهم من أكمل دراسة الطب أو الهندسة، ثم التحق بإحدى الجماعات المسلحة طمعًا في وظيفة وُعد بها، ليعود بعد سنوات وقد مُنحت الوظائف للجماعة المقربين، بينما تُرك هو بلا عمل ولا مصدر دخل.

ومنهم من انشغل بالتحشيد والتعبئة، فتعثرت دراسته، وتأخر عن أقرانه، وانتقل إلى النظام الموازي، ليبقى معلقًا بين دراسة غير مكتملة ومستقبل مجهول.

ومنهم من ترك جامعته سنوات، وانخرط في القتال، ثم عاد بعد الهدنة ليبدأ من الصفر على نفقة أسرته، بعدما خسر أجمل سنوات عمره واستنزف أهله مدخراتهم.

وهذه ليست حالات فردية، بل واقع عشرات الآلاف من الشباب؛ استشهد بعضهم، وأُصيب آخرون بإعاقات دائمة، وعاد كثيرون بلا تعليم أو عمل، فضاعت سنواتهم العلمية والمهنية.

لقد دفعت الأسر اليمنية أثمانًا باهظة، لكن خسارتها الأكبر لم تكن المال، بل أعمار أبنائها التي أهدرتها الحرب في سنوات كان يفترض أن تُبنى فيها حياتهم.

ولذلك لم يعد السؤال: لماذا انجرفوا؟ فالجواب معروف؛ حرب، واستقطاب، وفقر، وبطالة.

أما السؤال الحقيقي فهو: ماذا كانت النتيجة؟

كم شابًا عاد بلا شهادة؟ وكم خريجًا وجد نفسه بلا وظيفة؟ وكم أسرة استنزفت مدخراتها في تعليم أبنائها، ثم وجدت نفسها تنتظر مستقبلًا لا يأتي؟

"يا لاقي الضائعين..."

لم يعد الآباء يبحثون عن أبنائهم فحسب، بل عن جيلٍ كامل كان يُفترض أن يبني الوطن، فإذا به يواجه البطالة والفراغ ومستقبلًا غامضًا.

لقد خسرت اليمن في سنوات الحرب أثمن ثرواتها: الإنسان، واستنزفت طاقات شبابها في وقت كانت أحوج ما تكون إلى علمهم وسواعدهم.

إن إنقاذ هذا الجيل ضرورة وطنية تبدأ بتحييد التعليم عن الصراعات، وفتح أبواب العمل، وإعادة الشباب إلى ميادين العلم والإنتاج.

فالأوطان لا تبنيها الشعارات، وإنما يبنيها العلم والعمل.

وعندها فقط، ستخفت صرخات الآباء، ويغدو النداء الذي مزق قلوبهم مجرد ذكرى:

"يا لاقي الضائعين."

والله من وراء القصد.

حول الموقع

سام برس