سام برس
الفنانة أمينة بالطيب.حيث الرسم خلاصة الآداب العالمية و الكتب وحكايات الانسان و روايات أحواله:
فنانة استثنائية في فكرتها الفنية بين الرغبة في الابداع و الامتاع و ترك البصمة..
شمس الدين العوني
الفن سفر من شواسع الذات الى / نحو العالم حيث الفكرة القائلة بالجمال و الشجن و الحلم تقصدا لما به تسعد الذات و تنحت مسارها بين امتاع و مؤانسة ..نحتا بليغا كما ينحت النهر مجاريه..انها فكرة اللعب مثل أطفال من أزمنة شتى..الفن نظر تجاه الذات و الآخرين و العالم ..و منه الرسم و التلوين و الفنون التشكيلية و البصرية التي تقود الفنان الى ينابيعه ليكتشف جزاهر عوالمه و هو يرى الأشياء بعين القلب ..لا بعين الوجه.ثم ماذا لو جاء الرسم في سياق من الشغف يضاهي الشغف بالكلمات و القراءات و الكتب حيث حكايات الانسان و روايات أحواله ..هذا ما يتيح تعميق التجربة من هواية و غرام الى ابحار في عوالم الأدب و الكتب ما يمنح جوابا و انتظارات أخرى لأسئلة القلب و الذات..
هكذا هي الحكاية مع فنانة هامت بالكتب و الروايات الشهيرة في لغتها الفرنسية و عاشت مع ابداعات القرن المنقضي و بداياته حيث عيون الأدب ..شغف بمثابة الحاضنة للمضي في الرسم و سفر في عالم الألوان في علاقة حميمية مع القماشة ..
و هكذا هو الأمر مع الفنانة التشكيلية أمينة بالطيب التي أفادت كثيرا من الآداب العالمية و الفلسفة و الفكر ما قادها الى الرسم بوعي متقدم و معرفة و بحث حيث الرسم خلاصة ما مر بها من محطات و تجارب و أحلام و انكسارات و آمال عديدة لم تجعل منها بالنهاية غير تلك الطفلة المواصلة بنفس الدأب و العزم في مسارها الفني و منه عوالم البورتريه و فنونه و هي التي تخوض الآن مرحلة بها رغبة في التجديد و البحث عن تطوير شكلي و تقني ضمن عملها هذا حيث الفن عند أمينة بالطيب بحث متواصل و نزوع للتجدد و التجديد و التطور و التطوير..
فنانة استثنائية في فكرتها الفنية المعنونة بالرغبة في الابداع و الامتاع و ترك البصمة..و الفن بالنهاية بصمة ..و بصمات و لذلك نذكر و الى الآن فنانين من العالم لخصوصيات فنهم و تميز مساراتهم في رحلة الابداع .
وجوه و حالات تخيرتها الفنانة الطفلة المفعمة بالحلم ..سافرت منها و بها الى عوالم التلوين في ضرب من القول بالبورتريه كدلالة جمالية حمالة عبارات و حنين و حلم ..أمينة بالطيب فنانة تشكيلية تعددت معارضها الفنية منها الجماعية و الفردية بعدد من فضاءات تونس المعدة للمعارض ... البورتريه و المشاهد الأخرى عبر الأكواريل و التقنية المزدوجة تحلت بها جدران أروقة شتى لتشير الى عدد من الأسماء و العناوين في الحياة الفنية و الثقافية و السياسية لتبرز لوحة الشاعر الراحل أبي القاسم الشابي بالملامح التي أتقنت فنونها و دقائقها الرسامة بالطيب حيث المتلقي و زائر معارضهايقف مأخوذا باللوحة اللوعة التي اختصرت ملامح حياة و تجربة الشابي الشاعر و الناثر..ألوان متخيرة و خبرة فنية لفنانة سعت بأعمالها و خاصة في معارضها الأخيرة الى التأكيد على حسها الفني ..
أبو القاسم الشابي و لوحات أخرى للحبيب بورقيبة نورالدين صمود ومنصف المزغني ...ألوان مختلفة و ملائمة لتخير الفنانة أمينة بالطيب من حيث تفاصيل الملامح و تقاسيم الوجوه ..و لوحات لنساء غاية في العبارة حيث الفنانة في دقتها بما يحيل على الحالة و عنصر الزمن و بذلك تبرز التجاعيد و طبيعة النظرات في ضروب من القول بالمرأة بين مراحل مختلفة من العمر.. و في كل ذلك بلاغة تشكيلية تبرز حيزا من شجن و أحوال الكائن..
تجربة تواصل مسارها في سعي للتجديد ..هذا ما منح الفنانة بالطيب الشجاعة و العزم ضمن شغفها العميق بالفن و تطرح هذه الأسئلة و أجوبتها من قبل الفنانة اضاءات أخرى على هذه السيرة و المسيرة الفنية لأمينة بالطيب :
ماذا عن ملامح البدايات و العلاقات الأولى بالرسم و التلوين؟
علاقتي بالرسم في مرحلة الطفولة.. لم تكن لديّ خلال طفولتي أية علاقة خاصة بالرسم أو الفنون التشكيلية فقد كنتُ طفلة تميل إلى الصمت وأحلام اليقظة و لكنني كنتُ شغوفةً بالقراءة قبل كل شيء.
كنا نسكن بالمدرسة الابتدائية التي كان والدي يديرها. وبعد انتهاء الدروس وبينما كان إخوتي وأخواتي يلعبون في الساحة كنتُ أتسلل إلى مكتب والدي لأقرأ وغالباً ما كنتُ أستمر في القراءة حتى حلول الظلام...كانت القراءة عالمي وشغفي وملاذي أيضاً بل و وسيلةً للعلاج النفسي بطريقةٍ ما إذ كانت تتيح لي نسيان بعض الأحداث المؤلمة والعيش في عالم داخلي غنيّ للغاية.
اذن كيف نشأ هذا الشغف بالرسم؟
لقد دخل الرسم حياتي في مرحلة متأخرة نسبياً قبيل تقاعدي بقليل ..و قبل ذلك كنتُ قد درستُ الفلسفة ثم عملتُ بتدريس اللغة الفرنسية لمدة ثمانية عشر عاماً قبل أن أصبح مستشارةً توجيهية...فلقد علمتني الفلسفة دقة التفكير وعمقاً معيناً في الملاحظة أما مجال التدريس فقد علمني الكثير بخصوص فن الإصغاء والتواصل مع الآخرين. وعند النظر إلى الماضي أدرك أن هذه التجارب قد أفادتني بلا شك في عملي كرسامة للبورتريه.
أما اكتشافي الحقيقي للرسم فقد جاء بفضل لقاء كان له أثر كبير في حياتي.. ففي سن الخمسين تقريباً تزوجتُ للمرة الثانية من جراح أعصاب بارز و كان مثقفاً وشغوفاً باللغات. وذات يوم وبعد أن رآني وأنا أزين منزلي وأصنع بنفسي شتى الأشياء الصغيرة قال لي بإعجاب : "أمينة... أنتِ فنانة!" فهو الذي شجعني على تلقي دروس في الرسم.
في البداية، كنت أطمح فقط إلى تعلم رسم بعض اللوحات الزخرفية ولم أكن أتخيل إطلاقاً أن يحتل الرسم حيزاً كبيراً كهذا في حياتي.
من شجّعكِ في البداية؟
كان زوجي هو الداعم الأول لي.. فقد آمن بي حتى قبل أن أعتبر نفسي فنانة.و لكنني اضطررت بعد ذلك إلى التعلم بمفردي في الغالب إذ أعتبر نفسي عصامية في جزء كبير من مساري الفني.. قرأتُ ودرستُ كثيراً وتأملتُ الأعمال الفنية في المتاحف وتابعتأعمال و ابداعات الفنانين وخضتُ تجارب عملية عديدة.
يتطلب الأمر الكثير من المثابرة، لكنني أحب التعلم حتى يومنا هذا..و أشعر أن كل اكتشاف جديد وكل خطوة صغيرة يمنحاني نحو الأمام قدراً كبيراً من السعادة.
كيف وقع اختياركِ على فن "البورتريه" (رسم الوجوه)؟
لقد غيّر حدثٌ ما علاقتي بالرسم تغييراً جذرياً... فخلال فترة الثورة التونسية تلقيتُ نبأ اغتيال الناشط السياسي محمد البراهمي و هو ما أثّر فيّ بعمق. كنتُ حينها قد بدأتُ للتو اكتشاف الرسم بالألوان المائية (الأكواريل) وممارسته بجهدٍ ذاتي فحاولتُ بشكل عفوي رسم بورتريه له.
كان العمل - بطبيعة الحال- نتاج تجربة مبتدئة لكنه كان صادقاً. نشرتُ اللوحة على فيسبوك وتأثرتُ كثيراً بحجم التجاوب و التفاعلات وعبارات التشجيع التي تلقيتها من أصدقائي.
ومنذ تلك اللحظة بدأتُ أهتم تدريجياً برسم الوجوه. في البداية كان هدفي تخليد شخصيات تركت بصمة في تونس في مجالات شتى كالسياسة والأدب والشعر... فرسمتُ بورتريهات عديدة للزعيم بورقيبة، وللشهداء، ولمحمود المسعدي، وللشعراء مثل أولاد أحمد ونور الدين صمود وأبي القاسم الشابي وغيرهم... كما اهتممتُ أيضاً برسم وجوه لتونسيين عاديين. لم أكن أبحث عن مجرد محاكاة الملامح (الشبه)، بل كان اهتمامي ينصبّ أكثر فأكثر على الهوية وتعبيرات الوجه وأثر الزمن (العمر) وما يمكن للوجه أن يرويه من حكايات وقبل كل ذلك، النظرة.
كيف تطور أسلوبك في الرسم؟
مع مرور الوقت، شعرتُ بالحاجة إلى تجاوز البورتريه التقليدي والمحاكاة الفوتوغرافية للواقع.و اليوم، ينصبّ اهتمامي أكثر على الكتل والقيم اللونية والضوئية والضوء والخطوط الخارجية التي تتلاشى وتعود للظهور. أحب أن تبرز الشخصية أحياناً بشكل تدريجي وكأنها تولد من خضمّ الفوضى التي تشكلها الأشكال والألوان.
ومع ذلك لا أعتبر أنني تخليتُ عن رسم البورتريه بل عكس ذلك تماماً. فعندما يميل أسلوبي نحو التجريد أظل متمسكة بشدة بالعنصر البشري وبالنظرة الإنسانية..أعتقد أنني انتقلتُ تدريجياً من الرغبة في تصوير وجهٍ ما إلى الرغبة في إظهار "حضورٍ" ما.
ما الذي أضافه الرسم إلى شخصيتك وحياتك؟
لقد أصبح الرسم بمثابة الأكسجين الذي أتنفسه في حياتي...اليوم و بعد أن غادر أبنائي المنزل لا أعاني من الوحدة إذ أستيقظ صباحاً ولدي رغبة جامحة في الإبداع والسعادة بمواصلة رحلتي الفنية...
كما علمني الرسم أن أتقبل فكرة "عدم المعرفة و الرغبة في المزيد من التعلم". أنا فخورة بالمسار الذي قطعته، لكنني لا أركن إلى الرضا عن الذات بل بالعكس أرى أن أمامي الكثير والكثير لأتعلمه..و ما أحبه بالتحديد هو أن أستمر في التعلم. فكل خطوة أخطوها تملؤني بالفرح...


























