سام برس
للدكتور حسن الرصابي
المقدمة
تُعدّ التجربة الوجدانية في الشعر العربي المعاصر مرآةً أصيلة للنفس الإنسانية حين تجيش بالصعداء وتفيض بالمشاعر الصادقة.
حين تقترن هذه التجربة بقلم رجل جمع بين رصانة القضاء، وصرامة القيادة العسكرية، وعمق الفكر الأكاديمي، فإن النفثات الشعرية تتسامى لتصبح سبيكة فريدة تجسد تقاطع صخب الواقع بسلام العواطف الخالصة.

في هذه القصيدة البديعة للأديب الشاعر العميد القاضي الدكتور حسن حسين محمد الرصابي، يتجلى بوح الشعر في أصفى صوره وأعمقها دلالةً.

تنبثق الحروف من واقع معيش يمتزج فيه الصبر الجميل بكتمان الشجن، لتتحول التجربة الذاتية من مجرد انفعال عاطفي عابر إلى لوحة شعرية متكاملة الأركان، نابضة بالوفاء ومسكونة بيقين مطلق يتجاوز حدود الزمن والمكان نحو آفاق العشق السامي النقي.

قصيدة «نَبْضُ الْقَدَر» ليست مجرد غزل وجداني، بل هي وثيقة إنسانية تُبرز قدرة الشاعر على تحويل كوامن الصدر وأوجاع الدهر إلى نسائم نديّة.
تتجلّى فيها فلسفة الحب باعتباره قدرًا محتومًا وميثاقًا أخلاقيًا خالدًا، يُعيد رسم ملكوت الروح وينقلها من قفر الجفاف والوحشة إلى رياض الأنس والإشراق.

متن قصيدة: «نَبْضُ الْقَدَر»
. سَكَبْتُ لَكِ الحُرُوفَ نَدًى وَنُورَا ... وَلَمْ أَوْصِفْ سِوَاكِ الحُسْنَ حُورَا
. أَتَيْتُكِ وَالزَّمَانُ يَضِيقُ صَدْرًا ... بِأَوْجَاعٍ تُخَبِّئُهَا الصُّدُورَا
. أُخَبِّئُ دَاخِلِي شَجَنًا وَصَبْرًا ... وَأَضْحَكُ لِلْوَرَى طَوْعًا سُفُورَا
. تَمُرُّ بِيَ اللَّيَالِي فِي سُهَادٍ ... كَمَا لَوْ كُنْتُ لِلأَحْزَانِ دَارَا
. وَلَكِنْ حِينَ تَكْتَحِلُ العُيُونُ ... بِطَيْفِكِ تَبْتَهِلُ الرُّوحُ العُبُورَا
. تَجَلَّى فِي سَوَادِ اللَّيْلِ طَيْفٌ ... يُسَكِّنُ فِي الحَشَا الشَّوْقَ الجَسُورَا
. فَيَكْشِفُ مَا كَتَمْتُ بِغَيْرِ قَوْلٍ ... وَيُبْدِي فِي مَلَامِحِيَ السُّرُورَا
. وَمَا عُذْرِي إِذَا العَيْنَانِ بَاحَتْ ... بِسِرِّ الشَّوْقِ إِذْ بَلَغَ الظُّهُورَا
. أُكَابِدُ لَوْعَةً وَالشَّوْقُ ضَارٍ ... يُصِيبُ مَقَاتِلَ القَلْبِ الكَسِيرَا
. وَلِي أَمَلٌ يُخَايِلُ طَرْفَ عَيْنِي ... بِأَنَّ القُرْبَ يُنْسِينِي السَّعِيرَا
. رَعَى اللهُ اللِّقَاءَ إِذَا تَهَادَى ... فَأَرْوَى الرُّوحَ وَاسْتَبْقَى النَّمِيرَا
. كَأَنَّ العُمْرَ قَبْلَكِ كَانَ قَفْرًا ... فَأَضْحَى اليَوْمَ رَوْضًا مُسْتَنِيرَا
. سَأَبْقَى حَافِظًا عَهْدًا كَرِيمًا ... وَمِيثَاقًا بِقَلْبِي لَنْ يَبُورَا
. فَلَسْتِ حَبِيبَةً أَهْوَاكِ حَتْمًا ... بَلِ الأَقْدَارُ قَدْ صَاغَتْ حَبُورَا
. أَرَاكِ القَلْبَ لا قَلْبًا حَوَانِي ... بَلِ النَّبَضَاتِ وَالأُنْسَ الأَمِيرَا
. وَمَا عَرَفَ الهَوَى قَبْلِي قُلُوبًا ... وَلَنْ أَهْوَى سِوَاكِ اليَوْمَ غَيْرَا
. وَأَنْتِ الشَّعُورُ العَذْبُ يَأْتِي بَغْتَةً ... وَأَنْتِ الشَّمْسُ إِذْ تَهَبُ النُّشُورَا
. فَأَنْتِ الحُبُّ يَغْمُرُنِي يَقِينًا ... فَلا أَبْغِي سِوَى العَلْيَاءِ دَارَا
. فَكُونِي فِي حَيَاتِي غَيْمَ غَيْثٍ ... يُرَوِّي الأَرْضَ غَزْرًا أَوْ غَدِيرَا
. وَكُونِي لِي أَمَانًا مِنْ زَمَانِي ... إِذَا مَا دَهْرُنَا يُبْدِي العُثُورَا
. فَأَنْتِ البَدْءُ فِي صَدْرِي وَأَنْتِ الـ ... ـنِّهَايَةُ إِذْ أَرَى بِكِ مُسْتَنِيرَا
. وَبَاقٍ حُبُّكِ الأَسْمَى بِقَلْبِي ... كَمَا المِيثَاقِ لا يَبْغِي تَبَارَا
التحليل
. أجهزة البناء العروضي والموسيقي:

. بحر الكامل: اعتمد الشاعر تفعيلة (متفاعلن متفاعلن متفاعلن) في الشطرين، وهو بحر يمتاز بالاتساع والصلابة الموسيقية التي تجعل القالب يتسع للحمولات الوجدانية الثقيلة والتناقضات النفسية بين ألم الكتمان وراحة الوصل.
. القافية والروي: التزم النص بالروي الموحد (الراء المفتوحة والممدودة بالألف - را)، وهي إطلاق صوتي يعبر عن انفراج الأنفاس بعد الكتمان، وتأكيد على امتداد أثر المحبوب في أبعاد الزمان والمكان.
. التدوير العروضي: وظف الشاعر التدوير ببراعة تشكيلية في بيت: (فَأَنْتِ البَدْءُ فِي صَدْرِي وَأَنْتِ الـ / ـنِّهَايَةُ)، لتأكيد حالة الالتحام الروحي والتلخيص العاطفي الذي يتصل فيه الأول بالآخر دون فاصل.
. التصوير الفني والجماليات البلاغية:
. مفارقة الشموخ والداخل المكلوم: تجلت الكبرياء النفسية في التقابل الحاد بين قوله (أُخَبِّئُ دَاخِلِي شَجَنًا وَصَبْرًا) وقوله (وَأَضْحَكُ لِلْوَرَى طَوْعًا سُفُورَا)، حيث يصنع الشاعر حاجزاً من البشر والابتسامة يصون به كرامة ألمه عن أعين الناس.
. تحولات الطبيعة والاستعارة: الانتقال التصويري بين القفر والروض في (كَأَنَّ العُمْرَ قَبْلَكِ كَانَ قَفْرًا / فَأَضْحَى اليَوْمَ رَوْضًا مُسْتَنِيرَا) يمنح التجربة الوجدانية عمقاً تحولياً يجعل المحبوب علةً لإنبات الحياة واستعادة الخصب.
. لغة الطيف ولغة العيون: الاعتماد على الصورة غير المباشرة للحديث مع الطيف والبوح عبر ملامح الوجه (فَيَكْشِفُ مَا كَتَمْتُ بِغَيْرِ قَوْلٍ) يجعل العاطفة أكثر عمقاً وأقل تكلفاً.
. الدلالات الفلسفية والأخلاقية:
. حتمية القدر العاطفي: تجاوز النص نظرة الحب العابر ليرتقي به إلى مستوى التشكل القدري المقدر (بَلِ الأَقْدَارُ قَدْ صَاغَتْ حَبُورَا)، مما يعطي العلاقة صبغة الشرعية والخلود.
. حلول الذات في المحبوب: استبدال المركزية الذاتية بمركزية المحبوب (أَرَاكِ القَلْبَ لا قَلْبًا حَوَانِي)، حيث يتحول الآخر إلى مصدر النبض والوجود الحي.

. صرامة الميثاق والوفاء: برزت شخصية القاضي ورجل المبدأ جلياً عبر استخدام مفردات الالتزام والعهود (عَهْدًا كَرِيمًا)، (مِيثَاقًا بِقَلْبِي لَنْ يَبُورَا)، مما ينقل العاطفة من دائرة الانفعال المجرد إلى دائرة المبدأ الثابت.
النقد
. على المستوى التركيبي والمعجمي: تميزت الألفاظ بالرصانة والجزالة الفصيحة مع الحفاظ على عذوبة السبك الكلاسيكي. غير أن النفس المحافظ للقصيدة آثر استخدام المعجم المعجمي المستقر بدلاً من المغامرة بالصور السريالية المعقدة، وهو ما طابق طبيعة الشاعر وهويته الثقافية ورصانته المسلكية.

. على المستوى الدلالي والتجربة الوجدانية: نجح النص نجاحاً باهراً في تجسيد "الصبر الجميل" وموازاة الصرامة الظاهرة بالرقة الباطنة. ومكمن القوة النقدية في النص يكمن في البناء الهرمي للقصيدة؛ إذ تبدأ بالشكوى والكتمان والتعب من عثرات الدهر، ثم تتدرج عبر طيف المحبوب وأمله، حتى تنتهي بإعلان الميثاق الخالد واليقين التام بالحب.
. على المستوى الموسيقي والتوازن: جاءت حركة القافية والتدوير متسقة كلياً مع الجمل الشعرية، ولم يقع النص في التكلف أو الحشو اللفظي، بل جاء السرد متدفقاً بانسيابية تعكس تحكم الشاعر بأدوات الخليل وتطويعها لخدمة الفكرة والوجدان.
الخلاصة
. تُشكل قصيدة «نَبْضُ الْقَدَر» للعميد القاضي الدكتور حسن حسين محمد الرصابي علامة فارقة في نتاجه الشعري والوجداني، إذ تُمثل نموذجاً راقياً للشعر الوجداني المعاصر الذي يستمسك بأصالة العمود الشعري وعموديته الرصينة، دون أن يفقد نبض العاطفة الحية أو يتنازل عن معاصرة الشجن الإنساني.

. تكشف القصيدة عن تجاذب خلاق وفريد بين عالمين في شخصية الشاعر: عالم الواجب والهيبة والمسؤولية القائم على الصبر والمكابدة وكتمان الأوجاع عن الورى، وعالم الروح والنقاء والوفاء الذي يجد سكنه وأمانه في المحبوب الذي صار بحد ذاته نبضاً للقدر ومرفأ للروح.
. تتجاوز القصيدة الغرض الغزلي المباشر لترتقي إلى فلسفة كاملة للوجود؛ فالحب هنا ليس نـزوة عابرة ولا صدفة زمنية، بل هو قدر مقدور وميثاق أخلاقي يتسم بالثبات والاستمرارية والوفاء الذي لا يبور، تماماً كما هي المبادئ الوطنية والأخلاقية الرفيعة التي ينذر الشاعر لها حياته وقلمه.

. إن استخدام الشاعر لرموز الغيث والنور والروض بعد القفر، وتأكيده على البداية والنهاية في محبوبته، يمنح النص بُعداً شمولياً يجعل من التجربة الذاتية بلسماً يداوي جراح الدهر، ووثيقة شعرية تكفل للوفاء خلوده في زمن المتغيرات، وتؤكد أن الكبرياء والصرامة لا تعنيان جفاف القلوب، بل تعنيان مقدرة العظماء على صون المحبة وحمايتها بعظيم العهود وصادق الوفاء.

حول الموقع

سام برس