بقلم/ محمود كامل الكومي
تحل ذكرى ثورة الفاتح من سبتمبر، الثورة التي قادها العقيد معمر القذافي عام 1969، لتطيح بالنظام الملكي السنوسي وتضع ليبيا على طريق جديد، رفع شعار القومية العربية، وفتح الباب واسعًا أمام مشروع الوحدة مع مصر وسوريا. وفي هذه المناسبة، يظل السؤال حاضرًا: ماذا قدمت مصر للثورة الليبية؟ وماذا قدمت الثورة الليبية لمصر والأمة العربية؟
فور سماع أنباء التحرك العسكري في ليبيا، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر أوامره بتحرك قوة بحرية مصرية بالقرب من السواحل الليبية، تحسبًا لأي تدخل استعماري لإجهاض الثورة في مهدها.
وعلى المسار السياسي، أرسل مبعوثه حسن صبري الخولي إلى سويسرا حيث كان الملك إدريس السنوسي ، وتمكن من إقناعه بالإقامة في القاهرة ، حتى لا يستغله الاستعمار قاعدة مضادة للثورة الليبية.
ومع استقرار الأوضاع في طرابلس وبنغازي ، قدمت مصر كل أشكال العون السياسي والعسكري والإعلامي، إدراكًا من عبد الناصر أن نجاح الثورة في ليبيا يشكل حصنًا استراتيجيًا لظهر مصر .
من جانبها، لم تتأخر ليبيا الثورة في مدّ يد العون لمصر. فقد ساهم القذافي في دعم المجهود الحربي المصري، وقدم طائرات وموارد مالية للمشاركة في إزالة آثار العدوان بعد هزيمة يونيو 1967.
كما لعبت ليبيا دورًا في استعادة مصر لثقتها بنفسها، وأكد القذافي مرارًا أن معركة مصر ضد العدو الصهيوني هي معركة الأمة كلها.
أما الحدث الأبرز فكان استعادة ليبيا لقاعدتي "العظم"البريطانية و"هويلس" الأمريكية.-.التي انطلقت منهما طائرات تحمل علم الكيان تضرب المطارات المصرية خلال حرب1967 من حيث لاتتوقع- ، لتتحول إحداها إلى قاعدة حملت اسم "جمال عبد الناصر"، في رسالة رمزية واضحة بأن الثورة الليبية جزء من المشروع القومي العربي.
غير أن رحيل عبد الناصر غيّر موازين المشهد. جاء أنور السادات، وبدلاً من تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع ليبيا، دخل معها في مواجهة مباشرة عام 1977،استجابة لضغوط وتوجيهات أمريكية، لتشهد العلاقات المصرية ـ الليبية أول شرخ عميق منذ الفاتح.
ثم جاءت المرحلة الأخطر في 2011، حين لعبت بعض الأنظمة العربية، وفي مقدمتها قطر والسعودية والإمارات ، دورًا مباشرًا في استدعاء قوات حلف الناتو للتدخل العسكري في ليبيا ، تحت غطاء من الجامعة العربية ..
انتهت الثورة التي حملت شعارات العروبة والوحدة بمأساة اغتيال القذافي وسقوط ليبيا في أتون الفوضى والحرب الأهلية، لتغرق البلاد في بحر من الدم والانقسامات. لم يكن ذلك مجرد نهاية لحكم، بل كان جزءًا من مخطط أكبر لإزاحة أي عقبة أمام مشروع "إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات".
خلاصة
قدمت مصر ثقلها العسكري والسياسي لإنجاح ثورة الفاتح، فيما قدمت ليبيا دعمًا مباشرًا لمصر في معاركها ضد الاحتلال الإسرائيلي. جسّد عبد الناصر والقذافي في تلك المرحلة حلمًا عربيًا مشتركًا، كان يمكن أن يغير مسار المنطقة. لكن التآمر الخارجي والخيانة الداخلية مزّقا هذا الحلم، وفتحا الطريق أمام انهيار المشروع القومي.
إن ذكرى الفاتح ليست مجرد تاريخ، بل هي تذكير بأن الأمل العربي كان ممكنًا، وأن ما أجهضه لم يكن عجز الشعوب، بل تواطؤ الأنظمة وتحالفها مع الاستعمار الجديد.
*كاتب ومحامي مصري



























