سام برس
بقلم / حسن الدولة
قبل اسبوع تحدثت هاتفيا مع صديقي الشاعر الدكتور منصور الحماطي عن سلطان العارفين محمد بن محمد بن حسين الخطيبي البلخي المعروف بجلال الدين الرومي، وهو من اشهر اعلام التصوف في التأريخ الإسلامي ومن اكثرهم تأثيرا على مر العصور، ويوصف بأنه ذو رؤية تمثل رسالة عالمية تخاطب كافة الحضارات ، باعتباره مصدر إلهام للشعراء من خلال ديوانه "المثنوي" والروائيين من خلال اقواله وسيرته مع تلميذه الذي صار ملهما له "شمس الدين التبريزي"، فقد كتبت التركية إليف شفق روايتها الشهيرة "قواعد العشق الاربعون" والايرانية نيهال تجدد رواية "نار العشق" والبريطانية مول مفروي روايتها الموسومة ب:"بنت مولانا" والمصري ادهم العبودي رواية :" حارس العشق الإلهي التاريخ السري لمولانا جلال الدين الرومي".
وبعد ان تحدثنا عن بعض وصاياه في الحب كقوله :"إذا رغبت في كسب القلوب ازرع بذور الحب، إذا رغبت في الجنة فلا تزرع الشوك في الطريق" وقوله : ماتزال الشمس، وبعد كل هذا الزمن لم تقل للأرض :"أنا ملكك" وقوله : " حين تحتاج لخارطة طريق وأنت ذاهب إليك أعرف أنك مدعٍ" فماهي إلا ثلاثة أيام من ذلك الحديث حتى ارسل إلى الدكتور منصور قصيدة عصماء من اجمل ما قرأت في مضمونها عنونها ب" وصايا ونصائح "اهداها لأولاده وبناته، يقول في مطلعها:
كن يا بُني كالشمسِ
حُبّاً ناضحاً
تمنح ضوئها
كلّ شيءٍ في الكون
حتّى الحجرْ
وكالنهر ِ سخاءً
يروي كلّما حولهُ
من وحوش ٍ وإنسانٍ
وطير ٍ وشجرْ
وكالترابِ تواضعاً
نمشي عليه
وهو أصل كلّ المعادن
وأصل كلّ البشر .
بهذه اللغة العذبة والسلسة ْواصل سرد وصاياه على نفس منوال وصايا مولانا جلال الدين، مازجا بين الادب وبين وصايا الآباء للأبناء، مستلهما فكرة الوصايا من سِيَرِ ومنهج الأنبياء والرّسل - عليهم السَّلام - والصّالحين من بعدهم الذين قدّموا وصايا لأبنائهم وأهاليهم، وقد قصّ القرآن الكريم عنهم ذلك، قال الله تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}. وقال سبحانه:{وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}. فيقول شاعرنا لابنه ان لا ينافق الطغاة والمتكبرين
قل:
كلمة الحق
في وجه الطغاة
وكلّ جبّارٍ أشرْ
ولا تكن في النصح مغاضباً
فالنصح باللين
من حسن البصيرة
والبصرْ
ويقدم وصاياه لأبنه في نفس الصدد فيقول:
وأبتعد ما استطعت
عن الحاكمين
وذوي الجاه
وإن قربوك
وأحسنوا فيك النظرْ
ولا تطرق أبوابهم في حاجةٍ
وإن جُعت
واضطررت لأكل أوراق الشجرْ
وهكذا يمضي مقدما النصيحة تلو الأخرى على نهج المصلحين والفقهاء، من الذين قدّموا وصايا لأبنائهم وتلامذتهم، فمنهم من ألّف في وصية الأبناء والتلاميذ؛ كالإمام أبي حامد الغزالي في رسالة "أيها الولد"، والإمام ابن الجوزي في رسالة: (لفتة الكبد في نصح الولد)، ولصاحب تفسير "روح المعاني"، محمود بن عبد الله الألوسي رسالة بعنوان (إنباء الأبناء بأطيب الأنباء)، ولأبي الوليد الباجي المالكي كتاب وصية لولديه سمّاه "كتاب النَّصيحة لِولَدَيْه"، وغيرهم من العلماء. حيث يختتم وصاياه بالوصايا التالية:
وكن حليماً أريباً
إذا صاحبت الرجال
فالحلم يلين القلوب
حتّى وإن كانت
أقسى من حجرْ
وتزيّن بزينة العلم
وأنهل من مناهله الغزيرة
فالعلم مفتاح المعالي
وزينة عقول بني البشرْ
ولا تغتر بالمال والجاه
فكلّ شيء إلى زوالٍ
وأذكر ملاك الموت
إذا حضر.
انه ليذكرنا بوصايا بعض علمائنا الاجلاء كقول احدهم
أنظر للغد .. استعد .. شمّر..
كن عزيزاً .. وبنفسك افخر..
فكما ترى نفسك سيراك الآخرون..
فإياك لنفسك يوماً أن تحقر..
فأنت تكبر حينما تريد أن تكبر ..
وأنت فقط من يقرر أن يصغ..
اكتشفت يا بني .. أعظم فضيلة في الحياة.. الصدق..
وأن الكذب وإن نجى .. فالصدق أخلق ! بمن كان مثلك..
وإذا شعرت بالقسوة يوماً .. فامسح على رأس يتيم ..
ولسوف تدهش .. كيف للمسح أن يمسح القسوة من القلب .. فيتفطر..
ولكن وصايا شاعرنا الدكتور منصور الحماطي اكثر سلاسة واجمل عبارة وتستحق الوقوف إزاء كل وصية لكننا حرصنا على عدم التطويل قدر الإمكان.
واليكم قصيدة الوصايا كاملة :
وصايا ونصائح
لأولادي وبناتي ولكّل الأبناء*
منصور الحماطي
كن يا بُني كالشمسِ
حُبّاً ناضحاً
تمنح ضوءها
كلّ شيئٍ في الكون
حتّى الحجرْ
وكالنهر ِ سخاءً
يروي كلّما حوله
من وحوشٍ وإنسانٍ
وطيرٍ وشجرْ
وكالترابِ تواضعاً
نمشي عليه
وهو أصل كلّ المعادن
وأصل كلّ البشرْ
وارتقِ بروحكَ عالياً
ناشراً طيوب عطرك
كالورود وكالزهرْ
واختر صديقك
من يرعى الوفاء
إذا الدهر يوماً
غدرْ
ولا تغتر بالدنيا
ولا تطِل من أجلها
التفكّر والفكرْ
هي زائلةٌ
كما يزول بني البشرْ
واستقم لله
واطِل في الليل السجود
وفي السحرْ
وافرد محيّاك للناسِ
باسماً
وارحم عزيزاً
إذا افتقرْ
وقل في الناسِ قولاً طيّباً
ولا تزدرِ جاهلاً
وإن أساء التصرف
أو أساء النظرْ
ولا تفش عيباً
في صديقٍ
وإن بان لكَ عيبه
وذاع في الناس
وأشتهرْ
استر كما ستر الإله عباده
ولا تكن ثرثاراً بذيء القول
سفيهاً أشرْ
واحتسب كلّ خيرٍ فعلته
فكّل شيءٍ عند الإلٰه
لكَ ِمُدّخرْ
واصنع جمائلك في الخلائق
فهي لك في النوائب تُدّخرْ
وداوم على حمد الإلٰه وشكره
في كلّ وقتٍ
وعند السحرْ
ولا تحمل الحقد
على من أذاك
فالقلب يحيا طويلاً
بالتسامح ..
إذا صبرْ
وارع كلّ معروفٍ
أُسدي إليكَ
مهما طالت به السنوات
ومهما صغرْ
وكن صادقاً في المحبة
للقريب وللبعيد
ولمن جفى
ولمن هجرْ
وكن باشاً
في وجوه الناس
من بدوٍ
ومن حضرْ
وزن حديثك
بميزان السلامة
وحسن النظرْ
ولا تبخل على من يستشيرك
بالنّصيحة ...
فاطل فيها التمعّن
واطل فيها النظرْ
وابتعد ما استطعت
عن الحكام
حتّى وإن قربوك
وأحسنوا فيك النظرْ
ولا تطرق أبوابهم في حاجةٍ
حتّى وإن جعت
وأضطررت ...
لأكل أوراق الشجرْ
وانصح لهم ما أستطعت
ليستقيم العدل
ويزول كابوس الخطرْ
وقل كلمة الحق
في وجه الطغاة
وكلّ جبّارٍ أشرْ
ولا تكن في النصح مغاضباً
فالنصح باللين
من حسن البصيرة
والبصرْ
وكن حليماً أريباً
إذا صاحبت الرجال
فالحلم يلين جفى القلوب
حتّى وإن كانت
كما الحجرْ
وتزيّن بزينة العلم
وانهل من مناهله الغزيرة
فالعلم مفتاح المعالي
وزينة عقول بني البشرْ
ولا تغتر بالمال
ولا بالجاه
فكلّها زائلات
ويوم الحساب إلى سقرْ
واذخر ذخائرك
في المحبة
فلا مال يدوم
ولا جاه ولاخفرْ
واذكر ملاك الموت
إذا حضرْ
احسب حسابك جيداً
فلقد عشت قبلك
يا بٌني طويلاً
فلم أجد سوى الموت
نهاية لطموح بني البشرْ
فادخر ليوم المعاد
ذخيرتك
يوم لا ينفع مالٌ
ولا جاهٌ ولاخفرْ
*صنعاء
الأربعاء 24 أكتوبر 2018م
*قراءة وعرض حسن حمود الدوله



























