بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
في ظل التصعيد الخطير المتمثل في إعلان الولايات المتحدة فرض حصار بحري شامل على الموانئ الإيرانية وخليج عمان، وبالتزامن مع تهديدات عسكرية بمعاودة استباحة السيادة الإيرانية (براً وبحراً وجواً) بالتعاون مع الكيان الإسرائيلي، يبرز تساؤل جوهري حول شرعية هذه الأفعال في ميزان القانون الدولي. إن هذا المشهد لا يمثل مجرد توتر سياسي، بل هو تقويض كامل للأركان القانونية التي قام عليها النظام الدولي منذ عام 1945.
1. الحصار البحري: بين "العمل العسكري" و"جريمة الحرب"
يعتبر إعلان إطباق الحصار على الموانئ الإيرانية ومنع الملاحة في خليج عمان انتهاكاً صارخاً لعدة مواثيق دولية:
* *قانون البحار (اتفاقية جامايكا 1982):* تضمن الاتفاقية حق "المرور البريء" وحرية الملاحة في أعالي البحار والمضايق الدولية. إن فرض حصار أحادي الجانب على دولة مشاطة كإيران يعد اغتصاباً لهذه الحقوق واعتداءً على التجارة الدولية، مما يمنح هذه الدولة المتضررة الحق في اتخاذ ما تراه مناسباً للحفاظ على سيادتها وسلامة أراضيها ومياهها الإقليمية، تفعيلاً لحق الدفاع عن النفس أمام غطرسة القوة.
* *جريمة العقاب الجماعي:* وفقاً للمادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة، يحظر القانون الدولي فرض عقوبات جماعية على الشعوب. إن الحصار الذي يستهدف منع تدفق الغذاء والدواء يرمي إلى "تجويع المدنيين"، وهو ما نصت المادة (54) من البروتكول الإضافي الأول على اعتباره جريمة حرب لا تغتفر.
2. العدوان المسلح واستباحة السيادة
إن التهديد باختراق الأجواء والحدود البرية والمياه الإقليمية، والجزر الإيرانية يندرج قانوناً تحت توصيف *"جريمة العدوان"*:
* *ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/4):* التي تحظر بوضوح التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
* *قرار الجمعية العامة رقم 3314:* الذي يعرّف العدوان بأنه "غزو القوات المسلحة لدولة ما لأراضي دولة أخرى، أو أي احتلال عسكري، أو ضرب الموانئ والسواحل". وكما أشرنا آنفاً، فإن هذا الفعل يمنح الدولة المستهدفة حقاً مطلقاً في "الدفاع الشرعي عن النفس" بموجب المادة (51) من الميثاق.
3. التحريض على الإبادة الجماعية ونزع الإنسانية
تعد التصريحات الرسمية الأمريكية التي تضمنت عبارات مثل "مسح إيران من الخريطة"، والتهديد بتدمير البنية التحتية، سابقة خطيرة في الانحدار الدبلوماسي، وترتبط قانونياً بالآتي:
* *اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (1948):* تجرم هذه الاتفاقية "التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة". إن استخدام مفردات "الإبادة" و"المسح" يعكس نية مبيتة للتدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية، وهي الركن المعنوي للجريمة.
* *اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية (1954):* التهديد بتدمير "الحضارة" هو استهداف للميراث الإنساني والثقافي، ويصنف كجريمة ضد الحضارة الإنسانية جمعاء.
* *خطاب الكراهية:* إن وصف الشعوب بأوصاف تحط من كرامتها يخالف صراحة *العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية* الذي يحظر خطاب الكراهية والتمييز العنصري.
4. الغدر الدبلوماسي وتفخيخ الوساطة
إن شن العدوان أو التهديد به في الوقت الذي كانت تقود فيه *سلطنة عمان* جهوداً حثيثة للحوار، يمثل انتهاكاً لمبدأ *"حسن النية" (Bona Fides)* الذي يعد ركيزة أساسية في العلاقات الدولية. هذا السلوك يثبت أن التحالف (الأمريكي-الإسرائيلي) لا يسعى لتطبيق القانون، بل لفرض واقع القوة العسكرية الغاشمة، مما يهدد أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، والعدوان على الشعوب الحرة المستقلة.
الخلاصة التوثيقية
نحن في هذه الصدور قدمنا تشريحاً قانونياً دقيقاً يتجاوز التحليل السياسي السطحي إلى تأصيل الانتهاكات وفقاً للمواثيق الدولية حيث إن إطباق الحصار والتهديد بالإبادة الشاملة يمثل حزمة متكاملة من الانتهاكات التي تضع مرتكبيها تحت طائلة *المحكمة الجنائية الدولية*. إن العالم اليوم أمام مواجهة حتمية بين "منطق القانون" الذي يذود عن السيادة الوطنية، وبين "قانون الغاب" الذي تمثله التهديدات الأحادية. إن استباحة إيران برّاً وبحراً وجواً ليس مجرد اعتداء على دولة، بل هو إعلان وفاة للمواثيق الدولية التي توافقت عليها البشرية لحماية السلم والأمن الدوليين، **مما يجعل المجتمع الدولي بأسره أمام مسؤولية تاريخية لمنع انزلاق النظام العالمي نحو فوضى القوة المطلقة.


























