بقلم/ محمد الدلواني
كلماته ليست مجرد وصف، بل هي توصيف وجداني دقيق لواحدة من أجمل اللحظات الفنية التي وثقها التراث الإنشادي الصنعاني. للراحل عبدالرحمن مداعس الذي لم يكن مجرد منشد، بقدر ما كان "سفيرا للأرواح" حين يترنم بقصيدة "وا مغرد
بوادي الدور".

ف​عندما تشدو حنجرته
بهذه القصيدة، فإنه لا ينشد كلمات، بل يرسم لوحة مسموعة لليمن القديم. تميز أداؤه بـ : ​النفس الطويل والرخامة فقد امتلك قدرة فريدة على التحكم بطبقات الصوت، مما جعل "المدات" في القصيدة تبدو كأنها خيوط من حرير تمتد
عبر جبال صنعاء.

ف​الإحساس "بالسامي" : نجح في إبراز هيبة القصيدة التي كتبها الشاعر القاسم بن علي بن هائل بن سعيد، محولا إياها من مجرد كلمات شوق إلى ترتيل وجداني يمس شغاف القلب ​مضفيا مسحة من الشجن الوقور ، وهو ما جعل المستمع يشعر فعلا
بـ "استراحة للعقل"، وكأن الزمن يتوقف عند حدود صوته.

ف​القصيدة في حد ذاتها
هي رحلة من الاغتراب نحو الاستقرار في(مدينة سام) "صنعاء"، وقد أبرز مداعس مفرداتها التي تنسكب كالنبع ​"فوا مغرد بوادي الدَور منبه نيام..
هل لدمعي مساعده؟"
و​وادي الدور : هو ذاك المكان الساحر في "عدين" إب، الذي انطلقت منه التغريدة لتصل إلى صنعاء.

والشوق لروابي صنعاء وبساتينها، حيث يرتفع صوت المنشد ليحاكي علو جبالها وشموخ بنيانها.

و​رغم أن الكثير من الفنانين والمنشدين غنوها ورددوها مثل ( الفنان فيصل علوي، ومحمد حمود الحارثي وايوب طارش عبسي وابوبكر بالفقيه)، إلا أن
أداء المنشد المبدع عبدالرحمن مداعس ظل له نكهة "القداسة الفنية ". فقد التزم بروح اللون الصنعاني الأصيل دون بهرجة ، معتمدا على قوة الإلقاء ومخارج الحروف التي تجعل المتلقي يفهم جلال اللغة العربية وجمال اللهجة الصنعانية في آن واحد.

​وما يستوجب التنويه هنا هو بان الراحل كان عضوا فاعلا بجمعية المنشدين اليمنيين، وأن رحيله قد ترك فراغا كبيرا، الا ان تسجيلاته لـ "وا مغرد" ستظل المرجع الأول لكل من يبحث عن السكينة والجمال في الموروث اليمني.

حول الموقع

سام برس