بقلم/ القاضي الدكتور حسن حسين ال
يبدو أن فخامة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد قرر رسمياً إحالة كتاب "فن الصفقة" إلى التقاعد، واستبداله بكتاب جديد تحت عنوان "فن الشقلبة السياسية في خمس ثوانٍ"! فبعد أن قضينا أسابيع نتابع استعراض عضلاته وتهديداته بنسف وتفجير الممرات، فاجأ العالم بـ"تكتيك" بهلواني جديد، يعكس حالة من "الزهايمر السياسي" الحاد، أو ربما فائضاً من الكوميديا السوداء التي لا تجدها إلا في أروقة البيت الأبيض الحالية.

ففي تجلٍّ جديد لسياسة "دبلوماسية الميكروفون المفتوح"، خرج علينا بولدوزر واشنطن بتصريح "رومانسية سياسية" من الطراز الرفيع، معلناً عن رغبته العارمة وشوقه الجارف للقاء المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي! هكذا فجأة، تحول "مُشعل الحروب" إلى "حمامة سلام" تبحث عن غصن زيتون في دهاليز طهران!

- زهايمر الدماء.. هل يُمحى القتل بـ "مكالمة زوم"؟
من الواضح أن مستشاري ترامب نسوا أن يقدموا له ملخصاً للتاريخ القريب، أو أن فخامته يعتقد أن دماء الشعوب يمكن مسحها بـ "مناديل ورقية". فالرجل يتحدث عن لقاء المرشد وكأنه يطلب موعداً لتناول القهوة مع مستثمر عقاري، متناسياً بجرة قلم أنه يقف وراء قتل أفراد من أسرة هذا المرشد نفسه، وفي مقدمتهم والده!
منطق ترامب الجديد الذي صدم الأوساط الدولية يقول باختصار: "لقد قتلتُ أهلك، وحاصرتُ شعبك، وشنت قواتي حرباً أربعين يوماً أكلت الأخضر واليابس، لكن دعنا نلتقي لنبتسم أمام الكاميرات!".
إن هذا الأسلوب الفج في إدارة العلاقات الدولية، والقفز فوق بحور الدماء بهذه الخفة، هو نمط من التهريج والابتذال السياسي الذي لم يسبقه إليه أحد؛ بل إن هذا الأسلوب والمنطق المعكوس لم يستخدمه حتى "جحا" في أوج نوادره وطرافتها! فكيف يطلب الكابوي الأمريكي من الإيرانيين بلمحة عين أن ينسوا الحصار الخانق والدمار، وعدوانه الأول والثاني، فقط لأن فخامته قرر فجأة أنه بحاجة إلى "بروباغندا" إعلامية يظهر فيها بمظهر صانع السلام العالمي؟
- التناقض الساخر: من التهديد بالنسف ومسح حضارة إلى خطب الود!
الخلاف كله يدور حول عقلية "مقاول الهدم والبناء" التي تدار بها السياسة الأمريكية اليوم، والسيناريوهات الكوميدية أصبحت تفوق الخيال:
* انفصام دبلوماسي حاد: بالأمس القريب كان يهدد بـ"التفجير والنسف" لكل من لا يبصم على الكتالوج الأمريكي لإدارة الملاحة البحرية، واليوم يرتدي ثوب الواعظ الحمل الوديع ويطلب ود طهران. هل نحن أمام رئيس دولة عظمى أم أمام ممثل "ستاند آب كوميدي" يغيّر نصوصه حسب مزاج الجمهور؟

* إدارة الأزمات بعقلية "التيك توك": الإصرار على فرض الحصار الخانق بيد، ومد اليد الأخرى للمصافحة، يثبت أن السياسة الأمريكية لم تعد تحكمها مؤسسات أو استراتيجيات، بل نزوات "مقاول" يبحث عن أي صفقة سريعة، مستنكراً ومستغرباً: كيف لعالم يحترم دماء شهدائه ومبادئه أن يرفض دعوة "الكابوي" للقاء؟!
* بورصة المبادئ: إن دماء الضحايا التي لم تجف بعد في إيران جراء الحروب والحصار ليست أسهماً في بورصة ترامب العقارية ليبيع ويشتري فيها برخص مستغلاً أوجاع الشعوب لإنجاح برنامجه من طراز "تلفزيون الواقع".

- خلاصة القول
عزيزي ترامب، إن دماء الشهداء وعزّة الأمم لا تشبه بيع الشقق الفاخرة في "مانهاتن"، والتناقض والتهريج قد يجلبان بعض المشاهدات والإعجابات على منصات التواصل، لكنهما في عالم السياسة الحقيقية لا يصنعان إلا الفوضى، ويكشفان عن وجه معزول وفاشل.
من يفرّط بدماء أسرته وشعبه لأجل ابتسامة عابرة مع قاتل يفرض حصاراً خانقاً؟ الإيرانيون، ومعهم كل شعوب المنطقة التي ذاقت ويلات صلفك، لن يقعوا في شراك هذا "التهريج الخداعي" المكشوف. وستبقى دماء الضحايا وحقوق الشعوب صخرة تتحطم عليها أمواج عنجهيتك وتقلباتك البهلوانية، ليبقى السؤال القائم: من سيفهّم المقاول أن كرامة الأمم ودماء أسرها ليست معروضة للبيع أو الإيجار في مزاداته الهزلية؟!

حول الموقع

سام برس