بقلم/ محمود كامل الكومي
منذ العصور الفرعونية تعاقبت على مصر قوى وحكام من أصول واتجاهات متعددة، حتى جاءت ثورة 23 يوليو 1952 لتطرح مشروعًا وطنيًا جعل من جمال عبد الناصر - كأول مصري يحكم مصر منذ عهد الفراعنة- رمزًا للاستقلال السياسي والاقتصادي.
فقد ارتبط عهده بالسعي إلى إنهاء الوجود البريطاني في مصر، وتعزيز القرار الوطني المستقل، وبناء اقتصاد يقوم على الإرادة المصرية بعيدًا عن الهيمنة الأجنبية.

ويرى بعض المحللين أن عقودًا طويلة من الاحتلال والتدخل الأجنبي تركت آثارًا عميقة في الوعي الجمعي، حتى ترسخت لدى قطاعات من المجتمع ما يمكن تسميته بـ«عقدة الخواجة»، أي الميل إلى منح الأجنبي مكانة أعلى من ابن الوطن، والنظر إلى النموذج الغربي بوصفه معيارًا للتقدم والنجاح. وقد عملت القوى الاستعمارية، عبر أدواتها السياسية والثقافية والاقتصادية، على تكريس هذا التصور بما يخدم استمرار نفوذها ومصالحها.

ومن هذا المنطلق، يذهب أنصار المشروع الناصري إلى أن معركة الاستقلال لم تكن عسكرية أو سياسية فحسب، بل كانت أيضًا معركة لتحرير العقل المصري من التبعية النفسية والثقافية، وترسيخ الثقة بالذات الوطنية وقدرتها على صناعة مستقبلها بإرادة حرة مستقلة."
ففي علم النفس الاجتماعي توجد ظواهر معروفة مثل جلد الذات الجماعي، والانبهار بالمهيمن، وتحقير الإنجازات المحلية. وهي ظواهر قد تظهر في المجتمعات التي عاشت فترات طويلة من الاحتلال أو التبعية أو الأزمات السياسية والاقتصادية. عندئذٍ ينشأ لدى بعض الأفراد ميل إلى التشكيك في الرموز الوطنية أكثر مما يشككون في خصومها، وإلى تضخيم أخطاء الشخصيات الوطنية مقابل التقليل من إنجازاتها.

ومن هذا المنطلق يمكن تفسير الجدل الذي يحيط بشخصيات تاريخية مثل أحمد عرابي أو محمد كريم أو جمال عبد الناصر. فالنقاش التاريخي مشروع ومطلوب، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول النقد إلى رغبة في هدم الرمز نفسه أو إنكار أي جانب إيجابي في سيرته.
كما أن نجاح شخصية معاصرة مثل محمد صلاح قد يثير لدى بعض الأشخاص مشاعر نفسية أخرى، منها الحسد الاجتماعي أو الشعور بالعجز المقارن. فحين يحقق شخص قادم من بيئة بسيطة أو ريفية نجاحًا عالميًا استثنائيًا، قد يجد البعض صعوبة في تقبل هذا التفوق، فيلجؤون إلى التقليل من الإنجاز أو البحث المستمر عن السلبيات. وهذه آلية دفاع نفسي معروفة تهدف إلى تخفيف الشعور بالفارق بين الفرد الحاقد والشخص الناجح.

ومن الناحية الوطنية، فإن المجتمعات السليمة لا تبني هويتها على تحطيم رموزها الوطنية بالكامل، بل على قراءة متوازنة تعترف بالإنجازات والأخطاء معًا. فالثقة الوطنية الناضجة تعني القدرة على نقد الشخصيات التاريخية والحديثة دون إنكار دورها أو تشويهها، كما تعني الاحتفاء بنجاحات أبناء الوطن دون اعتبار نجاحهم مصدرًا للضيق أو العداء.
لذلك فإن جوهر المشكلة ليس النقد في حد ذاته، بل عندما يتحول النقد إلى موقف نفسي ثابت يرفض الاعتراف بأي إنجاز ويميل دائمًا إلى هدم الرموز الوطنية والتشكيك في كل نجاح محلي، مع منح التقدير المفرط لكل ما هو أجنبي أو خارجي. وهذا ما يصفه بعض الباحثين بأنه أحد أشكال الاغتراب الثقافي أو ضعف الانتماء الرمزي للجماعة الوطنية
كاتب ومحامي مصري

حول الموقع

سام برس