بقلم/ يحيى محمد القحطاني
تتكرر معاناة الحجاج اليمنيين عامًا بعد عام، في مشهد يعكس اختلالات مزمنة في أداء قطاع الحج والعمرة، ويثير تساؤلات مشروعة حول جدية وزارة الأوقاف في معالجة أوجه القصور المتراكمة. فبينما ارتفعت تكاليف الحج بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، لم يلمس الحجاج تحسنًا يوازي تلك الزيادات، بل ظلت الشكاوى ذاتها تتردد في كل موسم، وكأن المعاناة أصبحت جزءًا ثابتًا من رحلة الحاج اليمني. ومع اتساع الفجوة بين ما يدفعه الحاج وما يتلقاه من خدمات، تتصاعد المطالب بإصلاحات جادة وشاملة لمنظومة الحج والعمرة، تكفل رفع كفاءة الخدمات، وتعزز الشفافية والمساءلة، وتضمن للحاج اليمني خدمة تليق بما يبذله من مال وجهد في سبيل أداء هذه الفريضة العظيمة.
فالمساكن لا تزال، كما كان الحال في مواسم حج سابقة وعلى مدى سنوات متعاقبة، بعيدة عن الحرمين الشريفين ومتواضعة التجهيزات، فيما تعاني المخيمات من الازدحام الشديد ونقص في بعض الخدمات الأساسية، وعلى رأسها دورات المياه، وهو ما يزيد من معاناة كبار السن والمرضى. كما تتكرر الشكاوى بمستوى التغذية الرديئة، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول كفاءة الإشراف والرقابة على جودة الخدمات المقدمة للحجاج.
ورغم تعيين وزير جديد للأوقاف هذا العام، فإن قطاع الحج والعمرة لا يزال يُدار بالوجوه ذاتها والأساليب نفسها التي هيمنت عليه لعقود، وكأن الزمن توقف عند مرحلة لا تعرف التجديد أو المراجعة. فأعضاء بعثة الحج الرسمية، ومسؤولو المخيمات، ومشرفو المساكن، وأعضاء لجان الرقابة والتقييم، ومندوبو المدينة المنورة، ما زالوا يشكلون الحلقة نفسها منذ أكثر من عشرين عامًا، دون معايير معلنة للتقييم والمساءلة أو آليات واضحة لتجديد الكفاءات. مع هيمنة واضحة لحزب سياسي على معظم هذه المواقع، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول تكافؤ الفرص، ويعزز الانطباع لدى كثيرين بأن قطاع الحج والعمرة بات حكرًا على مجموعة محددة، بدلًا من أن يكون قطاعًا مفتوحًا للكفاءات والتنافس العادل.
وأصبح موسم الحج في اليمن مناسبة سنويه، تتكرر فيها الشكاوى ذاتها المتعلقة بالسكن والمخيمات والنقل والتغذية والخدمات الميدانية، في مشهد يعكس اختلالات مزمنة لم تفلح المعالجات المحدودة التي قام بها الوزير الجديد من تجاوزها. فغياب الشفافية، وضعف المساءلة والمحاسبة، واستمرار القصور في الرقابة والتقييم، كلها عوامل أسهمت في بقاء المشكلات على حالها موسمًا بعد آخر. ويأتي ذلك في وقت يتطلع فيه الحاج اليمني إلى خدمات تليق بما يتحمله من تكاليف، وبقدسية هذه الرحلة الإيمانية العظيمة التي ينتظرها سنوات طويلة.
وعند مراجعة ملكية الوكالات العاملة في تفويج الحجاج حج وعمرة كل عام، نجد أن عددًا كبيرًا منها مملوكة لموظفين بقطاع الحج والعمرة، أو من أقاربهم وانسابهم، فيما تتركز ملكية العدد الآخر من الوكالات في عدد محدود من الملاك لا يتجاوزعددهم أصابع اليد. وهو واقع يثير تساؤلات مشروعة حول مدى تكافؤ الفرص وشفافية المنافسة في قطاع يُفترض أن تُدار خدماته وفق معايير العدالة والكفاءة وخدمة الحجاج.
وفي الختام، لا يمكن معالجة هذه الاختلالات دون إصلاح جذري وشامل لقطاع الحج والعمرة، يقوم على الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص والرقابة المستقلة، والفصل الواضح بين الجهة المنظمة والجهات المستفيدة تجاريًا من القطاع. فبدون هذا الإصلاح ستظل التكاليف ترتفع والخدمات تتراجع، وستبقى معاناة الحاج اليمني مشهدًا يتكرر موسمًا بعد آخر. إن الحاج اليمني يستحق خدمة تليق بكرامته، ورحلة إيمانية تُدار بأعلى درجات الكفاءة والعدالة، بعيدًا عن الاحتكار والجمود، وبما يعكس المكانة العظيمة لشعيرة الحج وقدسيتها.


























