بقلم: شاكر فريد حسن

أهدتنا الصديقة الكاتبة والشاعرة ابنة البقيعة المقيمة في كفر كنا، قانا الجليل، عدلة شدّاد خشيبون، كتابها الجديد الموسوم "همسات وتغاريد"، الصادر عن دار طباق للنشر والتوزيع في رام اللـه. وهو الكتاب الثاني لها بعد " نبضات ضمير" الذي صدر في العام 2014.

وكتاب عدلة يمتد على 75 صفحة من الحجم المتوسط والورق الصقيل، وجاء بطباعة أنيقة، وصممه أيمن حرب، ويضم بين طياته 33 نصًا ما بين النثر الأقرب للشعر والخاطرة الأدبية والصورة القلمية، وتصدره إهداء رائع تقول فيه: " كلماتي المبعثرة بهمسات وتغاريد أهديها.. لأمي الوداد وأختي الفاتنة هناك في عرشهما السّماويّ .. وفاء لأحلامهما. لولدي البشير والاميل محبة وثقةً. لأبي الداعم لحرفي والتغريد. لكلّ من دخل القلب.. وعانق الرّوح هامسَا مغرّدّا".

وقدمّت للكتاب الروائية الكاتبة الفلسطينية المقيمة في استراليا دينا سليم حنحن، ومما كتبته: " نلاحظ مدى عمق الأحاسيس التي كُتبت فيها النصوص، كتبت بلغة صادقة رغم رمزيتها المقصودة، فهذا القلم المميز، عندما يكتب، يقودنا إلى أنفسنا المغتابة، ليمسح الغبار عن عوالم سحرية مدفونة في عالمها المجهول، نصوص نكهتها التردّد أحيانًا، لذلك خرجت غير مباشرة، فأضافت رونقًا مصحوبًا بهطلات المطر الناعم، الذي يروي الأرض دون ان يكسر أشجارها وتعرية جذورها".

عناوين نصوص الكتاب تكشف عن صبغته الوجدانية وأسلوبه الرومانسي المعاصر: " دموع الأسرار، أسرار دمعات عاتبة، خريف في مشاعر، نسمات دافئة، خريف في كلمات، عناق واشتياق، همسة غائمة، ريشة وخريف، ومضة دافئة".

ومن يقرأ هذه النصوص يشعر ويحس وكأنه يحلّق في ثنايا وآفاق أدب المهجريين اللبنانيين، خصوصًا جبران خليل جبران في " دمعة وابتسامة ".

والكتاب هو شذرات وابتهالات وخلجات ونبضات قلب يخفق بالمحبة، وهمسات وجدان حزينة صادرة عن ألم ووجع عميق كامن في حنايا الصدر. ويعتمد على وصف المشاعر الداخلية والتعبير عنها بكل الصدق والشفافية، ومخاطبة الطبيعة بشاعرية وأسلوب أدبي يجمع بين العاطفة والرومانسية، وعبر رموز وألفاظ ومعاني إيحائية تخدم الفكرة العامة لديها.

ويطفح الكتاب بالمشاعر النبيلة المتدفقة والنزعة الإنسانية، والدفء الحميمي، والعواطف الصادقة، وبالشوق والحنين، والحزن وألم فقدان الأخت والصدر الحنون، صدر الأم الرؤوم الذي لا يضاهيه أي صدر وأي حنان، فتخاطبها وتحاكيها قائلة: " موجوعة أنا يا أمّي وصفير قاطرتي بعيد بعيد، بردانة أنا يا أمّي ودفء غطائي جليد جليد. وحجم الاشتياق كبير لا يعرف للزّمن ساعة، لا، ولا يكترث بعقارب لاسعة بألم السّنين، فقدت ألواني باهتة، بل رثّة وريشتي ضائعة".

وفي "همسات وتغاريد" كتل شعورية حسية متوهجة، تكشف بعمق عن خصوبة خيال عدلة وتنوع ثقافتها وإنسانيتها الباذخة، وقدرتها على الإمساك بكل لحظة شعورية ولو كانت بسيطة، وتحويلها إلى كتلة ضخمة بإشعاعات مشوقة للوصول إلى لحظة التجلي والإبهار. ونجد نصوصها ملغومة بالكثير من الإبداعي والرموز والدلالات، التي يستطيع القارئ النبيه والذكي أن يفك شيفراتها.

وما يستوقفنا في نصوص كتاب عدلة شدّاد خشيبون، نمط كتابي نثري وأدبي حداثي، يتصف ويتميز بالإحساس الوجداني، وعفوية التعبير، ورقة المعاني، واللمحة المبهرة، وصدق البوح ، وسلامة اللغة، وجمال الكلمة والحرف، ولا يخلو من الشاعرية وفلسفة الحياة، والصور الشعرية والأدبية العريضة المتسمة بالكثافة والشفافية، والاستعارات والمحسنات البلاغية وأساليب البديع.

عدلة شدّاد خشيبون شاعرة وكاتبة تعشق الجمال والحياة، متمكنة من أدواتها، تتقن العزف على أوتار الأبجدية، وتمتاز بإحساسها المرهف ومشاعرها الإنسانية النقية الصافية، وفي همساتها وتغاريدها كتبت وجدانها المشتعل، وعبرت بشكل عفوي صادق عن مكنوناتها بطريقة عاطفية وإنسانية، وقدمت لنا طبقًا شهيًا بمختلف الأنواع والأصناف، من التوابل الأدبية بنكهة جليلية وجبرانية.

وإنني لعلى ثقة تامة بأن عدلة التي عشقت الحرف وولجت بوتقة الإبداع وميدان الكلمة منذ الصغر، ستظل تكتب- كما تقول- ما دام القلب ينزف حبًا بجرأة الاشتياق لعيون غجرية، أتعبها الفراق.

أبارك للصديقة العتيقة الكاتبة والشاعرة عدلة شدّاد خشيبون صدور كتابها الجديد " همسات وتغاريد"، وأرجو لها مستقبلًا أدبيًا مشرقًا، والمزيد من النجاح والتألق، وبانتظار إصدار أخر.

حول الموقع

سام برس