سام برس
قصيدة : أَتَيْتُ بَابَكَ يَا مَوْلايَ مُبْتَهِلًا
للشاعر: اللواء القاضي الدكتور / حسن حسين محمد الرصابي
(من ديوان ترتيل - الطبعة الثانية)

أَتَيْتُ بَابَكَ يَا مَوْلايَ مُبْتَهِلًا ... وَمَنْ سِوَاكَ لِضَعْفِ العَبْدِ يَرْحَمُ؟
أَدْعُوكَ يَا رَبِّ ضَارِعًا مُتَذَلِّلًا ... فَإِنْ رَدَدْتَ فَمَنْ سِوَاكَ يُرَحِّمُ؟
إِنْ لَمْ تُغِثْنِي وَتَمْنَحْنِي القَبُولَ فَمَنْ ... يَهْدِي الفُؤَادَ إِذَا مَا زَلَّتِ القَدَمُ؟
مَدَدْتُ كَفِّي وَكُلِّي ثِقَةٌ بِمَا ... أَلْقَى لَدَيْكَ، فَلا خَوْفٌ وَلا نَدَمُ
عَبْدٌ مُقِرٌّ بِمَا قَدْ كَانَ مِنْ زَلَلٍ ... وَمَنْ لِمُذْنِبٍ إِلا الحِلْمُ وَالكَرَمُ؟
قَدْ غُلِّقَتْ كُلُّ أَبْوَابِ الوَرَى، وَغَدَا ... بَابُ الرَّجَاءِ لَدَيْكَ المَلْجَأَ الأَعْظَمُ
إِنْ ضَاقَتِ الحَالُ أَوْ عَزَّتْ مَطَالِبُنَا ... فَأَنْتَ بِالحَالِ وَالأَسْرَارِ أَعْلَمُ
سَأَلْتُكَ العَفْوَ عَنْ ذَنْبٍ يُؤَرِّقُنِي ... وَأَثْقَلَ الظَّهْرَ حِمْلٌ جَاءَ يَزْدَحِمُ
مَا لِي سِوَى حَبْلِكَ المَمْدُودِ مُعْتَصَمٌ ... إِذَا تَهَاوَتْ قُوَى المَخْلُوقِ وَالذِّمَمُ
يَا غَايَةَ القَصْدِ يَا مَنْ فَوْقَ قُدْرَتِهِ ... تُذَلُّ خَاضِعَةً هَامَاتُهَا الشُّمُمُ
أَلْقَيْتُ حَمْلِي عَلَى أَعْتَابِ رَحْمَتِكَ ... وَمَنْ سِوَاكَ لِلْمَكْرُوبِ يَنْتَصِرُ؟
فَامْنُنْ عَلَيَّ بِغُفْرَانٍ تُرِيحُ بِهِ ... قَلْبًا أَتَاهُ مِنَ الأَوْجَاعِ مَا يَسَمُ
فَاغْفِرْ ذُنُوبِي وَهَبْ لِي مِنْكَ مَرْحَمَةً ... إِنَّ العَطَايَا بِفَضْلِ اللهِ تُخْتَتَمُ

الدراسة الأدبية والفنية للقصيدة
أولًا: المقدمة
تتجلّى في هذه القصيدة نفحاتٌ إيمانيةٌ خاشعة تُجسّد أسمى صور الالتجاء والتضرع إلى الله عز وجل. تندرج قصيدة «أَتَيْتُ بَابَكَ يَا مَوْلايَ مُبْتَهِلًا» — المنشورة في ديوان ترتيل (الطبعة الثانية) للشاعر اللواء القاضي الدكتور حسن حسين محمد الرصابي — ضمن فن الابتهالات والترددات الإيمانية العميقة (شعر المناجاة).
تكتسب هذه الأبيات بعدًا جماليًا ووجدانيًا رفيعًا؛ إذ تأتي بأسلوب يجمع بين متانة السبك اللغوي والصدق الشعوري المطلق، معبرةً عن موقف الإنسان في لحظات الانكسار والرجاء، حين تضيق أسباب الأرض وتتجه الروح بكليتها إلى مسبب الأسباب، مُتخففةً من أوزار الحياة وأثقالها عند عتبات العفو والمغفرة الإلهية.
ثانياً: التحليل الأدبي والفني
1. الفكرة العامة والأفكار الرئيسة:
تدور الفكرة المحورية للقصيدة حول التضرع، والإنابة، والتوبة الإخلاصية لله تعالى، وتتفرع منها مضامين دقيقة:
. الالتجاء والاستغاثة المطلقة: استشعار ضعف العبد وقدرة الباري، والتأكيد على انعدام الملجأ والمجير سوى الله.
. الاعتراف بالزلل: الإقرار الشفاف بالخطايا مع التعلق الواثق بحلم الله وكرمه الذي لا ينفد.
. انغلاق أبواب الخلق واتساع باب الرجاء: بيان عجز البشر وقصورهم في مقابل سعة رحمة الخالق وعلمه المحيط بالأسرار.
. طلب المغفرة والسكينة: ختام النص بالابتهال الحار لفك الأثقال وإراحة القلب المجهد من أوجاع الدنيا.
2. البناء الأسلوبي والإيقاع الموسيقي:
. البحر الشعري والإيقاع: صيغت القصيدة على بحر البسيط العروضي، وهو من أكثر البحور الشعرية اتساعًا وقدرة على استيعاب المشاعر الجياشة والدفقات الوجدانية، مانحًا النص نغمًا خاشعًا ومنتظماً يناسب جلال مناجاة الخالق.
. الأسلوب الإنشائي (الاستفهام الإنكاري والتقريري): تضمنت الأبيات عدة استفهامات غرضها التقرير والتوكيد على الوحدانية المطلقة والافتقار العاجز:
. (وَمَنْ سِوَاكَ لِضَعْفِ العَبْدِ يَرْحَمُ؟)
. (فَإِنْ رَدَدْتَ فَمَنْ سِوَاكَ يُرَحِّمُ؟)
. (وَمَنْ لِمُذْنِبٍ إِلا الحِلْمُ وَالكَرَمُ؟)
. الصور البيانية والبديعية:
. التجسيم والتشبيه: في قول الشاعر (أَلْقَيْتُ حَمْلِي عَلَى أَعْتَابِ رَحْمَتِكَ) تجسيد رائع للذنوب والهموم كحملٍ ثقيل يُطرح بسلام عند باب الرحمة. وفي قولِهِ (مَا لِي سِوَى حَبْلِكَ المَمْدُودِ مُعْتَصَمٌ) استعارة واضحة تشبه العهد الإلهي بالحبْل المتين الذي لا ينقطع.
. التضاد والتكامل: تظهر بوضوح ثنائية "ضعف العبد، زلله، وأوجاعه" مقابل "حلم الله، كرمه، وعفوه، وعلمه الواسع".
3. العاطفة والمعجم اللغوي:
. العاطفة: عاطفة إيمانية جياشة، مشبعة بالتواضع، الخشوع، والتسليم المطلق والرجاء الأكيد.
. المعجم اللغوي: انتقى الشاعر مفردات تتناغم مع روح الابتهال والتذلل مثل: (مُبْتَهِلًا، ضَارِعًا، مُتَذَلِّلًا، زَلَلٍ، بَابُ الرَّجَاءِ، يُؤَرِّقُنِي، المَكْرُوبِ)، مقابل مفردات العظمة والاقتدار الإلهي: (المَلْجَأَ الأَعْظَمُ، الحِلْمُ، الكَرَمُ، فَضْلِ اللهِ).
ثالثًا: الخلاصة
تُشكل قصيدة «أَتَيْتُ بَابَكَ يَا مَوْلايَ مُبْتَهِلًا» — الموثقة في ديوان ترتيل (الطبعة الثانية) — نموذجًا فريدًا للشعر الروحي الرصين الذي يكتبه الشاعر اللواء القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي.

لقد نجح الشاعر في سبك الانكسار الإنساني في قوالب لغوية بلاغية عالية، مبرزاً أن الأوزار والأثقال تذوب وتتلاشى متى ما استقرقت الذات في عتبات الرحمة الإلهية، لتترك القارئ في حالة من السكينة الروحية واليقين الخالص بفضل الله ورحمته التي وسعت كل شيء.

حول الموقع

سام برس