بقلم/ القاضي .د حسن حسين الرصابي
إن المتأمل في خارطة التحولات الفكرية والسياسية التي تعصف بالمنطقة العربية والإسلامية اليوم، يدرك أن المعركة لم تعد تقتصر على الحدود الجغرافية أو المصالح السياسية المباشرة، بل امتدت لتستهدف "الهوية العقائدية" والركائز التي يقوم عليها الوجدان الإسلامي. ومن أبرز هذه التحديات المعاصرة ما يروج له تحت مسميات براقة مثل "وحدة الأديان" أو "البيت الإبراهيمي"، وهي دعوات تبدو في ظاهرها كدعوات "للتسامح والسلام"، لكنها في عمقها ومآلاتها تهدف إلى تقويض خصوصية الإسلام وهيمنته كخاتم للأديان والرسالات.
• أولاً: حقيقة الإسلام كدين خاتم وناسخ
من المسلمات التي استقر عليها وجدان الأمة، وأجمع عليها علماء المسلمين قاطبة، وهي معلومة من الدين بالضرورة: أن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى للبشرية كافة بعد بعثة المصطفى ﷺ. إن الإيمان بأن القرآن الكريم هو الكتاب المهيمن والناسخ لكل ما سبقه من الكتب، وأن شريعة الإسلام هي المرجعية النهائية للتعبد، ليس مجرد موقف ديني عابر، بل هو أصل أصيل من أصول الاعتقاد.
فالقول بالمساواة بين الحق الذي استقر في القرآن وبين كتب أصابها التحريف أو طالها النسخ، هو قول يصادم صريح الآيات القرآنية التي تؤكد: *(وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ)*. إن "الوحدانية" في الإسلام لا تقبل الشراكة، و"الحقيقة" لا تقبل التجزئة؛ لذا فإن أي محاولة لدمج هذه الأديان في قالب واحد هي في الحقيقة محاولة لإلغاء "الفارق" الجوهري بين الحق والباطل، وبين المنهج الرباني القويم والاجتهادات البشرية التي اعتراها التبديل والتحريف.
• ثانياً: الأبعاد الاستراتيجية والأجندات الصهيونية
لا يمكن قراءة دعوات "وحدة الأديان" بمعزل عن مشاريع "الشرق الأوسط الجديد" التي تسعى القوى الصهيونية العالمية لفرضها على المنطقة. إن فكرة صهر الأديان في بوتقة واحدة ليست حركة لاهوتية، بل هي أداة سياسية بامتياز تهدف إلى:
1. تمييع عقيدة الولاء والبراء: وهي الركيزة التي تحفظ للمسلم اعتزازه بدينه وتحدد موازين التحالف والعداء بناءً على المبادئ والقيم، وليس على المصالح الضيقة.
2. **تجريد المقاومة من محركها الروحي: فإذا تساوت الأديان في المشروعية، تلاشت مبررات الدفاع عن المقدسات، وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك، وأصبح الصراع مع الاحتلال مجرد نزاع حدودي يمكن تسويته بالتنازلات، بعيداً عن الحقوق التاريخية والدينية.
3. صناعة "الإنسان العالمي" الهجين: إنسان منزوع الانتماء، بلا ثوابت تحركه، يسهل قياده وتوجيهه ضمن منظومة العولمة التي لا تعترف بالخصوصيات الدينية والوطنية، مما يسهل اختراق المجتمعات الإسلامية فكرياً وأخلاقياً.
• ثالثاً: مخاطر الرمزية المادية (المسجد والكنيسة والمعبد).
إن السعي لبناء مجمعات تضم المسجد والكنيسة والمعبد جنباً إلى جنب كرموز متساوية في "القدسية والشرعية"، يحمل في طياته رسالة مادية خطيرة تكرس لفكرة أن "كل الطرق تؤدي إلى الله" بذات الدرجة من القبول، وهذا إنكار صريح لظهور الإسلام على الدين كله.
إننا كمسلمين مأمورون بالتعايش السلمي، وبإعطاء أهل الكتاب حقوقهم التي كفلها الشرع، واحترام دماء وأموال غير المسلمين، لكن "التعايش" لا يعني "الذوبان"، و"التسامح" لا يعني الإقرار بصحة المعتقدات المخالفة للتوحيد. إن الخلط بين "السلم الاجتماعي" وبين "العقيدة الدينية" هو مغالطة كبرى يقع فيها دعاة التغريب.
• رابعاً: الواجب الوطني والديني تجاه مشاريع التذويب.
إن مسؤوليتنا كعلماء وقضاة، وكجزء من النسيج الثقافي والاجتماعي لهذه الأمة، تحتم علينا اليقظة التامة تجاه هذه المشاريع الماكرة. إن تحصين الخطاب الديني وتوحيده ضد هذه الانحرافات هو ضرورة شرعية وموجب وطني لحماية الأمن الفكري القومي.
إن "الرسالة الوطنية" في مضامينها الحقيقية هي التي تستند إلى ثوابت العقيدة، وتحمي الأجيال من التيه الفكري. إن محاولات طباعة الكتب السماوية في غلاف واحد، أو الترويج لصلوات مشتركة، ليست إلا فصولاً في كتاب "الحرب النفسية" التي تستهدف تحطيم الحواجز النفسية بين المسلم ومن يعادي مقدساته.
ختاماً..
سيبقى الإسلام هو الدين الحق، والقرآن هو المرجع الأسمى، ومحمد ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين. وكل دعوة تخرج عن هذا الإطار، أو تحاول مساواة الهدى بالضلال تحت أي ذريعة، هي دعوة مرفوضة شرعاً، ومنبوذة واقعاً، ومردودة على أصحابها. إن الحفاظ على نقاء المعتقد وسط هذا الضجيج العالمي هو السبيل الوحيد للحفاظ على سيادة الأمة، واستقلال قرارها، وبقاء هويتها عصية على الانكسار.
*نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني في الجمهورية*


























