بقلم/ أكرم القصاص
إذا كانت هناك اختلافات حول أحداث ووقائع، لم يمر عليها عشر سنوات، فما بالنا بوقائع مر عليها 74 عاما، مثل 23 يوليو، وشخص رحل منذ 56 عاما هو جمال عبدالناصر أو 45 عاما مثل أنور السادات، وبالرغم من تضاعف أدوات المعرفة والبحث ومصادر التاريخ، يظل الجدل «صداميا» يفتقد للتوثيق ويميل إلى الاستسهال، ونجد أجيالا ولدت بعد رحيل عبدالناصر بربع قرن ترث جدلا عقيما.
من الطبيعى أن يجد العابر أو المقيم فى مواقع التواصل حكايات وأساطير حول المرحلة الملكية أو الجمهورية، ومع الوقت تتحول إلى مصادر لتحليلات اقتصادية واجتماعية، ومنها مقولات مجهولة النسب عن الجنيه والاقتصاد ومستوى سعادة البشر فى مصر وكيف كانت الموضة تنزل مصر قبل لندن وباريس، مرفق بصور من شارع فؤاد، والقاهرة والإسماعيلية، وطبعا ينفى البعض أى ميزة للعهد السابق أو وجود تيارات من المثقفين والمتعلمين أصحاب الرؤى، والحقيقة أن مصر بالفعل كانت تعانى من التفاوت الطبقى وأغلبية من الفلاحين والمعدمين وأقلية من الطبقة الوسطى، لكن كان هناك أبناء الطبقة الوسطى المتعلمين الذين تظاهروا ومنهم من سعى لتغيير الواقع مثل طه حسين أو كتاب طالبوا بالعدالة الاجتماعية وتوعية الشعب، كان هناك تفاعل فى عهد الملكية انتهى إلى ما قام به الجيش وهنا كانت تحركات 23 يوليو واقعا ولم تكن خيالا.
فى ضريح جمال عبدالناصر، فى ذكرى يوليو وميلاد ناصر، يمكن أن تجد أجيالا متعددة بين ثمانين وتسعة عشر عاما، قد تكون لديهم فرصة لتفهم هذا العهد وقراءته بذهنية أقل استقطابا، المفارقة أن العصر يتيح معلومات، ولا يترك فرصة للمعرفة. والواقع أن الألتراس والاستقطاب وراء هذا الحال الجامد غير المفيد، ومسؤول عنه قطاعات من الناصريين والساداتيين وكل من يعيشون استقطابا بلا رغبة فى التفهم أو الالتقاء عند نقاط وسط.
الطبيعى ينطلق من أن التاريخ حلقات تمتد من عهد العثمانيين والمماليك والحملة الفرنسية، ومحمد على، الذى حكم عام من 1805 إلى 1848، والاحتلال الإنجليزى، وظهور النخب المصرية الوسطى والعليا والكفاح من أجل الاستقلال، وشهدت مصر حركة سياسية واجتماعية وثقافية أسست لوعى سياسى واجتماعى تجلى فى ثورة 1919، ودستور 1923، لتبدأ واحدة من أكثر مراحل التاريخ خصوبة فى إنتاج الوعى وصياغة التيارات السياسية والفكرية يمينا ويسارا. وأطراف السياسة القصر والإنجليز، وداخل هذا كانت الأحزاب والقوى السياسية، حتى حزب الوفد الممثل للطبقات الوسطى والشعبية والملاك، تعرض لانشقاقات، ولم يحكم سوى سنوات قليلة خلال ثلاثين عاما.
فى نهاية الأربعينيات ظهرت مرحلة الصراع والارتباك السياسى، تقوم الحكومات وتنهار، ومع حريق القاهرة كانت نهاية مرحلة من الصدام. ويمكن لمن يريد أن يتعرف على هذه الفترة من كتابات منها طارق البشرى «الحركة السياسية فى مصر 1945 - 1952»، محمد حسين هيكل، عبدالعظيم رمضان، فتحى رضوان، وكتابات أدبية مثل نجيب محفوظ، يوسف إدريس، توفيق الحكيم وغيرهم.. وبالتالى لم تكن مصر تعيش رفاهية لكنها لم تكن ميتة ولا خالية من عقول وأفكار وصراعات طبقية وفكرية. ويوليو لم تهبط من السماء وكانت جزءا من تاريخ صعودا وهبوطا نحتاج لمعرفته حتى يمكننا محاكمته والحكم عليه، فحتى عبدالناصر استند فى مشروعه على نخبة تعلمت فى الثلاثينيات والأربعينيات.
23 يوليو لم تكن حدثا منفصلا عن حلقات التاريخ السياسى والاجتماعى والاقتصادى لمصر خلال نصف القرن السابق عليها، كما أن تأثيرها يتواصل فى المراحل التالية وأحدثت تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية واسعة وعميقة، غيرت من شكل وصورة المجتمع المصرى، وهى تحولات يمكن النظر إليها بقوانين زمنها. ويظل العمل السياسى هو النقطة التى تتوقف عندها المحاكمة لمرحلة جمال عبدالناصر، ونقصد بها الهدف السادس من أهداف الثورة والذى يتعلق بإقامة «حياة ديمقراطية سليمة»، حيث تم إلغاء الأحزاب، والسير فى طريق التنظيم السياسى الواحد، والاتحاد الاشتراكى.
هناك الكثير من الكتابات النقدية عالجت علاقة يوليو بالديمقراطية، معالجات يمكن الاستفادة منها، وهناك من يرى أنه «لو» أبقى ناصر على الأحزاب أو تم تعديل القانون مع الإبقاء عليه، ربما كان يمكن أن تكون هناك حياة سياسية قادرة على البقاء، ومع أن التاريخ ليس فيه «لو» لكن تظل هذه النقطة تثير الجدل، وتخلق جدلا وتبريرات للأسف لم تجب عنها محاولات التبرير الذى قدمها الأستاذ محمد حسنين هيكل، والذى كان فعليا ينتمى لليمين فى حكم عبدالناصر، هيكل لم يكن اشتراكيا ولا يساريا، ومع هذا فقد حاول تبرير الإجراءات التى تمت ومنها تأميم الصحافة وإغلاق الأحزاب، بل إن هيكل بعد رحيل عبدالناصر سارع للانضمام إلى الرئيس السادات وشاركه فى الإطاحة بمنافسيه وخصومه فى مايو 1971، ومع هذا عندما اختلف معه كان وراء تلطيخ صورته بكل السبل وما زال فريق «الهيكليين داخل الناصرية» يتبنى انتقامات هيكل من أنور السادات، وهنا يفترض التوقف عند مفارقة أن من يصنع التخوين والتكفير هم فريق من الناصريين والساداتيين الغارقين فى الماضى العاجزين عن النظر للمستقبل.
نقلاً عن اليوم السابع


























