بقلم / عادل حويس
ليس في الحروب منتصر حقيقي فكل رصاصة تطلق تحمل معها هزيمة جديدة للإنسانية وكل مدينة تقصف لا تفقد حجارتها فحسب بل تفقد شيئا من روحها.
غير أن الخسارة الأكثر فداحة لا تقاس بعدد الأبنية المنهارة أو الخرائط التي يعاد رسمها وإنما تقاس بعيون الأطفال التي تنطفئ فيها الدهشة وبالقلوب الصغيرة التي تتعلم الخوف قبل أن تتعلم القراءة وبالأحلام التي تدفن تحت الأنقاض قبل أن ترى النور.

هناك في قلب المأساة تقف الطفولة وحيدة في مواجهة آلة الحرب لا تحمل سوى براءتها بينما تتساقط من حولها كل معاني العدالة والرحمة
الطفل لا يعرف الحدود السياسية ولا يفهم خرائط النفوذ ولا يدرك حسابات المصالح الدولية
عالمه أكثر بساطة من كل ذلك بيت دافئ ومدرسة تفتح له أبواب المعرفة وأم تضمه كل مساء وأب يزرع في قلبه الطمأنينة وساحة صغيرة يركض فيها خلف كرة أو فراشة لكن الحرب تقتحم هذا العالم بلا استئذان وتنتزع منه تفاصيله الجميلة واحدة تلو الأخرى حتى يصبح الخوف جزءا من يومياته ويغدو البكاء لغة مألوفة أكثر من الضحك.

إن أكثر ما يثير الأسى أن الطفل لا يكون طرفا في الصراع ومع ذلك يتحمل النصيب الأكبر من تبعاته فهو أول من يفقد الأمن وأول من يحرم من التعليم وأول من يتذوق مرارة الجوع والنزوح واليتم وآخر من يجد من يصغي إلى ألمه وبينما يتجادل الكبار حول شرعية الحرب أو أهدافها أو نتائجها يكون الطفل قد دفع الثمن كاملا من عمره وصحته ونفسيته ومستقبله دون أن يستشار أو يمنح فرصة للاختيار.

ولأن الحرب لا تكتفي بإزهاق الأرواح فإنها تمارس فعلا أكثر قسوة يتمثل في اغتيال الطفولة ذاتها.
فالطفل الذي كان من المفترض أن يحفظ الأناشيد المدرسية يجد نفسه يحفظ أماكن الملاجئ والذي كان ينتظر عطلة نهاية الأسبوع ليخرج مع أصدقائه بات ينتظر هدنة قصيرة ليخرج من مخبئه بحثا عن الماء أو الخبز تتغير المفاهيم وتختل الأولويات ويصبح البقاء على قيد الحياة إنجازا يوميا بينما تتراجع الأحلام إلى آخر قائمة الاحتياجات.

ولا تقف الكارثة عند حدود المشهد الآني فالحروب تترك في النفوس آثارا أشد قسوة من آثارها على الأرض فالطفل الذي يكبر بين أصوات القصف ويرى الموت يتكرر أمام عينيه يحمل داخله ذاكرة مثقلة بالخوف والقلق والفقدان وهذه الندوب النفسية لا تظهر في صور الأقمار الصناعية ولا ترصدها التقارير العسكرية لكنها تبقى كامنة في أعماق الإنسان تؤثر في ثقته بنفسه وفي علاقته بالمجتمع وفي قدرته على الحلم وقد تمتد آثارها إلى مراحل عمره كافة بل إلى الأجيال التي تأتي بعده.

وحين تنهار المدارس لا تسقط الجدران وحدها بل تتصدع معها فرص المستقبل فالتعليم ليس كتابا وسبورة فحسب بل هو الحصن الذي يحمي المجتمعات من إعادة إنتاج العنف وكل يوم يقضيه طفل بعيدا عن مقاعد الدراسة هو مساحة إضافية يربحها الجهل وتخسرها التنمية ويخسرها الوطن إن الحرب التي تغلق مدرسة اليوم قد تفتح غدا أبوابا واسعة للفقر والتطرف والحرمان لأن الطفل الذي يحرم من العلم يحرم في الوقت نفسه من أدوات بناء حياته ومستقبله.

أما المستشفيات التي وجدت لإنقاذ الأرواح فتغدو في زمن الحرب عاجزة عن أداء رسالتها تحت وطأة الدمار ونقص الإمكانات ويصبح الدواء حلما والغذاء رفاهية والماء النظيف أمنية بعيدة المنال وفي مثل هذه الظروف لا يموت الأطفال بسبب القذائف وحدها بل قد تقتلهم أمراض يمكن علاجها أو سوء تغذية كان بالإمكان تفاديه أو تأخر في الوصول إلى رعاية صحية بسيطة وهنا تتحول الحرب إلى منظومة متكاملة لإنتاج الألم لا تفرق بين طفل وآخر ولا بين ذنب وآخر لأن الضحية الوحيدة هي البراءة.

ويأتي النزوح ليضيف طبقة جديدة من المعاناة فالطفل الذي يجبر على مغادرة منزله لا يترك وراءه الجدران والأثاث فقط بل يترك ذكرياته الأولى وأصدقاءه ومدرسته وألعابه وكل ما يمنحه شعور الانتماء وحين يعيش في مخيم أو مأوى مؤقت يصبح معلقا بين ماض لا يستطيع العودة إليه ومستقبل لا يعرف ملامحه وفي هذا الفراغ تتكاثر المخاطر من التسرب الدراسي إلى عمالة الأطفال إلى الاستغلال بأشكاله المختلفة لتتحول الطفولة إلى رحلة شاقة من الحرمان بدلا من أن تكون رحلة للنمو والاكتشاف.

ولعل أخطر ما في الحروب أنها لا تكتفي بتدمير الحاضر بل تضع مستقبل المجتمعات على المحك فالأوطان لا تبنى بعد انتهاء الصراعات بالإسمنت والحديد فقط وإنما تبنى بالعقول السليمة والنفوس المتوازنة والأطفال الذين لم تكسر أحلامهم وإذا كان إعمار المدن ممكنا خلال سنوات فإن إعادة إعمار الإنسان قد تحتاج إلى عقود وربما لا تكتمل أبدا إذا تركت الجراح النفسية والاجتماعية دون علاج.

ورغم ما أقرته المواثيق الدولية من حقوق تكفل حماية الأطفال في النزاعات المسلحة فإن الواقع لا يزال يبعث على القلق فما بين النصوص القانونية والتطبيق العملي تتسع فجوة يدفع الأطفال ثمنها كل يوم ولذلك فإن حماية الطفولة لم تعد قضية تخص المنظمات الإنسانية وحدها بل أصبحت معيارا يقاس به صدق المجتمع الدولي في الدفاع عن القيم التي يرفعها ومدى التزامه بتحويل المبادئ إلى أفعال.

إن الدفاع عن الطفل ليس موقفا عاطفيا عابرا بل هو دفاع عن المستقبل ذاته
فالطفل الذي ينعم بالأمن اليوم سيكون غدا طبيبا أو معلما أو مهندسا أو مبدعا يسهم في نهضة وطنه أما الطفل الذي تحاصره الحرب وتحاصره معها مشاعر الخوف واليأس فإنه يحمل جراحا قد تعيق مسيرته وتنعكس على مجتمعه بأسره
ومن هنا فإن حماية الطفولة ليست عملا إنسانيا فحسب بل هي استثمار حضاري في بناء السلام وصيانة للاستقرار وحماية لأجيال لم تتح لها فرصة أن تختار مصيرها.

وفي نهاية المطاف يبقى السؤال الأخلاقي حاضرا بإلحاح: أي عالم هذا الذي يعتاد رؤية الأطفال بين الركام ثم يمضي في حياته كأن شيئا لم يكن؟ وأي سلام يمكن أن يرجى إذا كانت بداياته تكتب بدموع الصغار؟ إن التاريخ لا يخلد أسماء من أشعلوا الحروب بقدر ما يتذكر أولئك الذين حموا الإنسان من قسوتها
وسيظل الأطفال في كل زمان ومكان الميزان الحقيقي الذي تقاس به إنسانية الأمم.

فالطفولة ليست هامشا في سجل الحروب بل هي المتن الذي يكشف حقيقتها كاملة وحين تصان براءة الأطفال يصان مستقبل الأوطان وحين تستباح لا يخسر جيل واحد فقط بل تخسر الإنسانية جزءا من ضميرها لذلك فإن حماية الأطفال ليست خيارا سياسيا ولا شعارا إعلاميا بل هي عهد أخلاقي يجب أن يظل قائما ما بقي في العالم إيمان بأن الحياة تستحق أن تعاش وأن السلام يبدأ دائما من ابتسامة طفل آمن.

حول الموقع

سام برس