بقلم/ وفاء صندى
فى كل مرحلة تشهد تحولات كبرى، يبرز سؤال يتجاوز الحدث اليومى إلى ما هو أعمق : من يصوغ الأفكار التى تفسر العالم وتوجه مستقبله؟ فى القرن العشرين ، كان من السهل أن ترتبط الإجابة بأسماء بعينها؛ مثل حنة آرندت، ويورجن هابرماس، وكارل بوبر، وبيير بورديو، وصامويل هنتنجتون، وفرانسيس فوكوياما، إلى جانب مفكرين عرب كان لهم أثر بالغ فى تشكيل النقاشات الفكرية فى المنطقة، مثل محمد عابد الجابرى، ومحمد أركون، وعبدالله العروى، وحسن حنفي. فقد تجاوز تأثير هؤلاء حدود الجامعات ليصل إلى النقاش العام، ويسهم بدرجات متفاوتة فى تشكيل السياسات والوعى الجمعى.

أما اليوم، فيبدو أن حضور هذا النموذج من القيادات الفكرية قد تراجع، حتى بات السؤال المطروح : هل اختفى المفكر ، أم أن العالم لم يعد يصغى إليه؟

مما لا شك فيه أن القيادات الفكرية لم تختف، ولم ينته دورها ولا تأثيرها بالمطلق، إنما بنية السلطة الفكرية هى التى تغيرت. فى الماضى، كانت الأفكار الكبرى تنتقل عبر الكتب، والجامعات، والصحف، فتمنح المفكر وقتا لتطوير أطروحاته، وللمجتمع فرصة لمناقشتها. أما اليوم، فقد أصبحت الأفكار تتحرك داخل بيئة تحكمها المنصات الرقمية، والخوارزميات، وما يعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث لا تكافأ الفكرة الأكثر عمقا بالضرورة، بل الأكثر قدرة على جذب التفاعل خلال لحظات.

لهذا، لم يعد النفوذ الفكرى يتمركز فى عدد محدود من الأسماء كما كان فى السابق، بل توزع بين الجامعات، ومراكز الدراسات، وشبكات البحث، وشركات التكنولوجيا، والمنصات الرقمية، بل وحتى الخوارزميات التى أصبحت تؤثر فى ترتيب المعرفة واستهلاكها. وهكذا لم تختف المعرفة، وإنما تغيرت الطريقة التى تنتج بها، والطريق الذى تسلكه للوصول إلى المجال العام.

هذا لا يعنى أن المفكرين فقدوا أهميتهم، أو أن الجامعات توقفت عن إنتاج المعرفة. فما زالت الأبحاث العلمية والدراسات المتخصصة تقدم إسهامات عميقة فى فهم الاقتصاد، والسياسة، والتغير المناخى، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعى، والتحولات الديموغرافية. غير أن تأثير هذه المعرفة أصبح يواجه منافسة غير مسبوقة من المحتوى السريع الذى يفرض إيقاعه على النقاش العام، حتى غدا الوصول إلى الجمهور تحديا لا يقل صعوبة عن إنتاج الفكرة نفسها. ولعل أحد أبرز التحولات أن تعقيد المعرفة وتشعبها جعلا من الصعب أن يهيمن مفكر واحد على تفسير القضايا الكبرى كما كان يحدث فى مراحل سابقة.

فقد أصبحت التحديات المعاصرة تتجاوز حدود أى تخصص منفرد، وتستدعى تعاونا بين خبرات متعددة. لذلك انتقل إنتاج الرؤى الكبرى تدريجيا من الأفراد إلى الشبكات البحثية ومراكز التفكير والفرق متعددة التخصصات، وإن ظل بعض الأفراد يحتفظون بتأثير فكرى واسع.

أيضا، يتجلى هذا التحول فى كثير من القضايا المعاصرة، من الذكاء الاصطناعى إلى التغير المناخى والتحولات الجيوسياسية. ففى حين تتقدم المعرفة العلمية عبر البحث التراكمى، والمراجعة المستمرة، وتعدد التخصصات، يميل المجال العام إلى البحث عن إجابات فورية ومواقف حاسمة. وهكذا لا تنشأ الفجوة من نقص الخبرة، بل من اختلاف منطقين: منطق المعرفة، الذى يقبل التعقيد وعدم اليقين، ومنطق المنصات، الذى يكافئ السرعة والاختزال واليقين الظاهرى.

وهنا يبرز التحدى الحقيقي. المشكلة ليست فى وجود المنصات الرقمية، التى وسعت الوصول إلى المعرفة، وكسرت احتكار النشر، وأتاحت لأصوات أكاديمية وشابة الوصول إلى جمهور عالمى، لكن المشكلة تكمن فى الحوافز التى تحكم المجال العام، إذ أصبح ما يثير الانتباه أكثر قدرة على الانتشار مما يستحق الانتباه. وأصبحت سرعة التفاعل تتقدم على عمق التفكير.

وأصبح ضغط اللحظة يؤثر فى النقاشات التى يفترض أن تبنى على التراكم والدراسة. لقد أثبت التاريخ أن التحولات الكبرى لم تبدأ بقرارات سياسية أو اقتصادية فحسب، بل سبقتها دائما أفكار أعادت تعريف المشكلات قبل اقتراح حلولها. فإصلاحات التعليم، والثورات الصناعية، وبناء المؤسسات الحديثة، لم تكن نتاج قرارات معزولة، وإنما ثمرة حوار فكرى طويل سبقها ومهد لها.لذلك، فإن التحدى الذى يواجه المجتمعات اليوم لا يتمثل فى استعادة نموذج المفكر كما كان فى القرن الماضى، بل فى إعادة بناء العلاقة بين المعرفة والمجال العام، بحيث لا تبقى الأفكار العميقة حبيسة المؤسسات الأكاديمية، ولا يصبح الفضاء الرقمى أسيرا لمنطق السرعة والإثارة وحدهما.

فى الأخير، وجب الاعتراف بأن المجتمعات لا تقاس بقدرتها على إنتاج المعرفة فقط، بل بقدرتها على منحها المكان الذى تستحقه فى صناعة القرار، وتشكيل الوعي. وحين يصبح ما يجذب الانتباه أكثر تأثيرا مما يستحق الانتباه، لا تخسر المجتمعات مفكريها، بل تخسر قدرتها على تحويل المعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى خطط وسياسات، والسياسات إلى مستقبل.

نقلاً عن الاهرام اليومي

حول الموقع

سام برس